منتديات تلعرن و تلحاصل الثقافية.....احدى أعضاء شبكة كونديما الثقافية

منتدى ثقافي ,علمي ,, اجتماعي و منوع
 
الرئيسيةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول
Change Language
عداد الزوار
myspace hit counter
counter
زوار المنتدى

صور تلحاصل

صور تلعرن

فواتير

ماء  كهرباء  هاتف

رسائل مجانية

الطقس في حلب

مركز التحميل   هام

 

دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» وفاة: محمد محمود عزو
السبت 02 أبريل 2011, 00:43 من طرف المغتربة

» مصطلحات سورية
الثلاثاء 15 مارس 2011, 08:04 من طرف المغتربة

» حزورة التفاحة
الأحد 13 مارس 2011, 20:14 من طرف ميرزو

» نكت حلوة ههههه
الأحد 13 مارس 2011, 05:30 من طرف المغتربة

» واحد نذل و نجس
السبت 05 فبراير 2011, 23:10 من طرف ميرزو

» نكت حلوة كتييييير
السبت 05 فبراير 2011, 23:08 من طرف ميرزو

» نصائح ام لبنتها المسافرة
السبت 05 فبراير 2011, 23:06 من طرف ميرزو

» مخاطر لعق الأصبع اثناء قلب الصفحات
السبت 05 فبراير 2011, 22:45 من طرف ميرزو

» الواجهة العربية لفيفا 2010 حصريا من المنتدى
الخميس 16 ديسمبر 2010, 10:35 من طرف aymen.ss

» some logo for gondima
الجمعة 10 سبتمبر 2010, 05:50 من طرف dr.itac

» قالوا عن المرأة
السبت 17 يوليو 2010, 01:47 من طرف Ahmad

» wc 2010
الأحد 27 يونيو 2010, 15:53 من طرف dr.itac

» حمل صور لتلعرن من جهازك
الثلاثاء 13 أبريل 2010, 01:40 من طرف ويسو

» حمل صور لتلحاصل من جهازك
الخميس 01 أبريل 2010, 22:07 من طرف dr.itac

» وفاة :عبود ويسو
الخميس 01 أبريل 2010, 21:33 من طرف dr.itac

» فلسطين.ليبيا.سودان.تونس.لبنان.بحرين .امارات .موريتانيا.جيبوتي بالصيغة العربية
الثلاثاء 23 مارس 2010, 01:44 من طرف محمد 123

» Arab gulf cup with 8 teams
الإثنين 15 مارس 2010, 17:35 من طرف onics27

» Syrian and Iraqi team patch cmp
الإثنين 15 مارس 2010, 17:14 من طرف onics27

» اعجاز كتابة القرءان الكريم
الإثنين 15 مارس 2010, 05:39 من طرف محمد شملول

» 22 national temsمنتخبات عالمية
الأحد 14 مارس 2010, 04:35 من طرف Felipe Vidal

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأكثر نشاطاً
الواجهة العربية لفيفا 2010 حصريا من المنتدى
التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)
22 national temsمنتخبات عالمية
Arab gulf cup with 8 teams
اقوال وحكم افضل العلماء والفلاسفةوالمفكرين
هام بشأن المفاضلة
الكمبيوتر (صيانة ) من الألف إلى الياء...!
نتائج شهادة التعليم الأساسي (تاسع) ..ثا/تلعرن للبنات
موسوعة هل تعلم
الدوري السوري للمحترفينsyrian league
المواضيع الأكثر شعبية
الواجهة العربية لفيفا 2010 حصريا من المنتدى
بذور الكوسا (هجين)
22 national temsمنتخبات عالمية
النيمبز بأخر إصدار من هنا
برنامج يمكنك من رؤية أي موقع على كوكب الأرض بدقة عالية
اقوال وحكم افضل العلماء والفلاسفةوالمفكرين
احدث الموبايلات لعام 2009 مع الصور
منقضات الصيام
حق المساواة في الإسلام
مبيدات: فطرية
أفضل 10 فاتحي مواضيع
حسان كالو
 
dr.itac
 
Ahmad
 
nasser.tawel
 
ابراهيم ابراهيم
 
zezoreal
 
dr,itac
 
حسين طويل
 
د. محمد كالو
 
أسعد قاسم
 
أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر
أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
حسان كالو - 898
 
dr.itac - 531
 
Ahmad - 269
 
nasser.tawel - 163
 
ابراهيم ابراهيم - 81
 
dr,itac - 55
 
حسين طويل - 55
 
zezoreal - 44
 
احمد حمندو - 28
 
د. محمد كالو - 27
 

شاطر | 
 

 التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الإثنين 22 يونيو 2009, 02:33

{ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ }





قصة البشرية هي قصة البحث عن طريق السعادة والأمن والاستقرار ... وقصة البحث عن الفهم والوضوح ، ومحاربة (العماء) و (اللاتكوّن) لكن نتائج ذلك كثيراً ما تكون موضوعاً محزناً للقراءة !
وهذه الآية المباركة تفتح أعيننا على السبب الجوهري لذلك ؛ إنه بحث البشرية عن نجاتها بعيداً عن هدي الله - تعالى - وبعيداً عن سبيله الذي وضَّحه لعباده في كتبه ، وعلى لسان رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام . ولعلنا نقف مع هذه الآية الكريمة بعض الوقفات التي نستجلي من خلالها بعض ما تشعَّه من معان ومفاهيم ، وبعض ما ترتب على الحيدة عن سبيل الله من مآس ومهلكات ، وذلك من خلال الحروف الصغيرة الآتية :
1- تقرر هذه الآية المباركة أن سبيل الهداية هو السبيل الوحيد الذي على البشرية أن تسلكه ، وفي حالة تنكبه فليس هناك سبل أخرى للنجاة والفوز والنجاح .
ومعنى الآية : أن من يضلله الله فليس له طريق يصل به إلى الحق في الدنيا ، وإلى الجنة في الآخرة ، لأنه قد سدت عليه سبل النجاة . إن الضال يجد سبلاً كثيرة ، لكنها جميعاً توصله إلى غير ما يؤمِّله ، وإلى غير ما يحقق من خلاله ذاتيته ووجوده ، وهذا هو الذي يفهم من قوله - جل وعلا : { وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام : 153] .
وفي حديث ابن ماجه عن جابر رضي الله عنه - قال : ( كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم- فخط خطاً ، وخط خطين عن يمينه ، وخط خطين عن يساره ، ثم وضع يده في الخط الأوسط ، فقال : هذا سبيل الله ، ثم تلا هذه الآية : { وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ... } ) [2] .
إن هناك دائماً الكثير من إمكانات الحركة ، والكثير من اتجاهات السير ، لكن عدم وجود (الهداية) الربانية يجعل تلك الإمكانات وبالاً على البشرية ، وهذا هو الحاصل الآن .

2- يلمس كل من يعمل فكره في واقع البشرية وجود مفارقة عجيبة بين ما تحرزه في مضمار الاكتشاف والتقنية والتنظيم والسيطرة على البيئة ، وبين ما تحرزه من تقدم على الصعيد النفسي والاجتماعي والأخلاقي والإنساني - عامة - حيث إن التقدم التراكمي المطرد على الصعيد الأول ، لا يكاد يوازيه سوى الحيرة والارتباك ، واتساع الخروق على الصعيد الثاني . وهذا ؛ مع أن الناس يؤملون دائماً أن ينعكس توفر وسائل الراحة والرفاهية على وضعهم الروحي والنفسي والاجتماعي ، لكن ذلك - مع الأسف - أمنية لم تتحقق !
في الغرب تساؤلات كثيرة اليوم عن سبب هذه الظاهرة المزعجة ، وتفسيرات عديدة لها ، فمن قائل : إن العالم لم يوجه من إمكاناته وطاقاته البحثية ما يكفي لسبر غور الأبعاد الإنسانية والاجتماعية المختلفة ؛ وما بذل من جهد في هذه المجالات أقل بكثير مما بذل في المجالات الفلكية والطبية والفيزيائية والكيميائية ... ، ولذلك فالنتائج لم تكن غير متوقعة . ومن قائل : إن المشكلة تعود إلى طبيعة العلوم الاجتماعية ، فهي على درجة من الهلامية تجعلها تتأبى على التشكيل ، ومهما حاولنا تقنين أساليب التعامل معها ، فإن النتائج التي يمكن أن نتوصل إليها ستظل ظنية واحتمالية . ومن قائل : إننا لم نكتشف بعد المنهج الملائم لبحث قضاياها ومشكلاتها .
والأدوات المعرفية المستخدمة الآن في المجالات الاجتماعية أكثرها مستعار من منهجيات البحث والمعالجة في المجالات العلمية ، ولذا ، فإنها ستظل محدودة الفاعلية ... وهكذا ، فالتحليلات كثيرة ، لكن لا يبدو أن هناك سبيلاً للخروج من المأزق !
وعندي أن التقدم في مجالات العلوم الطبيعية ، يعود إلى أسباب عدة . أهمها :
توفر الإطار الذي تتفاعل فيه الخبرات والإنجازات في المجالات المختلفة ، مما يجعل التقدم الأفقي في المجالات العلمية المختلفة يساعد على التقدم الرأسي في كل مجال على حدة . وأمكن التقدم في بلورة هذا الإطار وفي تحديد المبادئ الأساسية للعمل فيه لسببين أساسيين :
يعود الأول منهما إلى أن العلم محدود الطموحات ، ويشتغل بالجزئيات ؛ فكثافة إنجازاته من تواضع طموحاته .
ويعود الثاني إلى كونه على غير صلة مباشرة بمسائل الوحي والروح والاعتقاد ، فكأن الإنجاز فيه في الأصل جزء من سنة الابتلاء في هذه الحياة ، والذي على الناس أن يستخدموا فيه كل مواهبهم وإمكاناتهم للنجاح . أما في مجال العلوم الاجتماعية ، فالأمر مختلف تماماً ، فمهما بذل الناس من جهود ، ومهما اكتشفوا من مناهج ، فإنهم لن يستطيعوا - مثلاً - تحديد الغاية النهائية للوجود ، كما أنهم لن يستطيعوا توفير المقدمات الكافية لتحديد ما يحتاج العقل من مسارات حتى يقوم بأعمال الاستنتاج والتوليد ، كما أنهم سيجدون أنفسهم مشتتين حيال تقويم التجارب الكلية .
العقل البشري - على ما يتمتع به من طاقات هائلة - تظل وظيفته عند بحث القضايا الكبرى أشبه بوظيفة (المدير التنفيذي) الذي يجهز كل أدوات الرحلة ووسائلها ، لكنه لا يحدد أهدافها ووجهتها ؛ فذاك من مهام (القائد) الذي يتجسد هنا في المنهج الرباني المعصوم . وممن انتهى إلى هذه النتيجة (أنشتاين) وهو من أكبر عباقرة القرن العشرين عندما قال : ( إن حضارتنا تملك معدات كاملة ، لكن الأهداف الكبرى غامضة ) .

3- حين أعرض الغرب عن (سبيل الله) أخذ يبحث بجدية نادرة عن السبيل البديلة التي يمكن أن توصله إلى كل أمنياته ، وتحقق له كل رغباته ، وقد كان (القرن التاسع عشر) قرن التفاؤل الكبير ؛ إذ حقق العلم انتصارات كبيرة ، واعتقد الناس في الغرب عندئذ أن (العلم) سيكون قادراً على تحقيق كل شيء وحل كل معضلة ، وسيطرت من جراء ذلك النزعة الوضعية أو العلمية المتطرفة التي اعتقد أصحابها أنهم قادرون على حل لغز الكون والإجابة على كل الأسئلة التي يطرحها الإنسان ، والمسألة مسألة وقت ليس أكثر . وانتهى بهم الأمر إلى الاعتقاد بالتضاد بين (العلم) و (الإيمان) فإما أن تكون عالماً غير مؤمن ، أو مؤمناً غير عالم !
في النصف الثاني من القرن العشرين - على نحو أكثر وضوحاً - بدأت النظرة تختلف [3] ، حيث شهد هذا القرن حربين عالميتين إلى جانب أكثر من 130 حرباً صغيرة ، وحيث صارت البيئة الطبيعية في حالة يرثى لها ، وأخذت البنى الاجتماعية المختلفة بالتداعي والانهيار ، وتبين لصفوة من علماء الغرب عظم الخطأ الذي ارتكبه الغربيون حين ردوا على انحرافات الكنيسة بالإلحاد وتأليه (العلم) ، كما تبين لهم أن العلم أعجز من أن يدل على طريق النجاة . يقول (بيير كارلي ) [4] : ( العلم يهدف إلى تمكيننا من معرفة أفضل بالعالم وعلاقتنا به ، كما أن العلم ينير لنا الطريق في صدد ما يمكن فعله ، وبخصوص الوسائل والإمكانات المتاحة ، أو الرهانات والمخاطر . أما (الإيمان) فيقول لنا ما ينبغي فعله لكي نعطي لحياتنا معنى ، إنه يقدم لنا الغاية من الوجود والقيم وأسباب الأمل والعمل ) [5] .
هذه الأفكار صارت من جملة معتقدات بعض صفوة العلماء والمفكرين في الغرب ، لكنها ليست في واقع الأمر سوى خطوات قليلة في طريق طويل ، والتخريب الذي أحدثته (العلمانية) في بنى الحياة الغربية على مدى ثلاثة قرون شديد الانتشار والعمق ؛ والأمل في الإصلاح على المدى المنظور ضئيل للغاية !
4- إن أمة الإسلام ما زالت تنعم - بفضل الله - بالهداية ومعرفة (سبيل الله) وهذا ما يوفر للمسلمين اليوم تميزاً ، لا يشركهم فيه أحد ، كما أنه يخفف الكثير من لأواء الحياة ومشاقها . وأكبر دليل على هذا عدم وجود ظاهرة (الانتحار) في أي مجتمع إسلامي ، على حين أنها تنتشر في أكثر دول العالم تقدماً ورفاهية . لكن لا ينبغي لنا أن نطمئن كثيراً إلى ما نحن فيه ، فهذا الفيض من الأفكار والصور والنظم والنماذج التي يبثها في كل اتجاه أكثر من خمسمائة قمر صناعي تدور حول الأرض أربكت (الوعي) لدى كثير من المسلمين ، وبتنا نرى الكثير من الثقافات المحلية العميقة الجذور آخذةً في التحلل والتفكك والانكماش لصالح رموز الحداثة القادمة من الغرب ، وهذا يفرغ الكثير من الأطر والقوالب الإسلامية من مضامينها ، ويدخل مجتمعاتنا في امتحان ليست مستعدة له !
إن الذي يقرأ التاريخ بشفافية يجد أن التقدم العمراني كثيراً ما يكون مصحوباً بانخفاض في وتائر التدين وسويّات الالتزام ، فالقرن الرابع الهجري - مثلاً - كان قمة في التقدم العلمي والعمراني ، لكن الالتزام بتعاليم الشريعة لم يكن كذلك ، فقد كان في القرون التي سبقته أفضل وأرسخ . وهذا معنى تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته من الانبهار والافتتان بزخارف الدنيا ، وخوفه من أن تعجز عن إقامة أمر الله - تعالى - في ظروف الرخاء والرفاهية .
إن المنتجات التقنية - بالإضافة إلى هيمنة (نظام التجارة) - أخذت تعيد تشكيل حياتنا على نحو لا يعبأ كثيراً بمقتضيات التدين الحق ، وصار من الواجب علينا أن نتدبر أمرنا ونرفع درجة حساسيتنا للوافدات الجديدة ، والا فقد نستيقظ بعد فوات الأوان . وإن على مثقفي الأمة - على اختلاف تخصصاتهم - أن ينهضوا بمسؤولياتهم والوفاء بالعهد المأخوذ عليهم في هذا الشأن ، فالثقافة ليست وجاهة فحسب ، وإنما ريادة ومسؤولية في آن واحد .
ولله الأمر من قبل ومن بعد ، ، ،


________________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Ahmad
المدير العام
المدير العام
avatar

مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 269
نقاط : 960173
التقييم : -1
تاريخ التسجيل : 25/05/2009
العمر : 31
الموقع : http://gondima.net/

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الثلاثاء 23 يونيو 2009, 19:46

* من يضلل الله فما له من سبيل * شكرا أخ حسان عل الموضوع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://goodima.net/
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 24 يونيو 2009, 00:19

يقول الله جل وعلا : { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ } [الحشر : 19] .
هذه آية جليلة الشأن في كتاب الله تعالى وهي تضع أيدينا على حقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود ، وتمنحنا استبصاراً بشأننا العام ، لا يليق بنا أن نتجاوزه دون أن يملأ حياتنا بمعنى جديد !

ولعلنا في الصفحات التالية نقتبس من نور هذه الآية :
1- إن نسيان الله تعالى يكون على مستويين : مستوى ضعف صلة المسلم به ، وتبلد أحاسيسه ومشاعره نحو خالقه جل وعلا ومستوى الإعراض عن هديه واستدبار منهجه .
وفي إطار المستوى الأول نجد أن لدينا الكثير الكثير من النصوص التي تحث المسلم على أن يكون كثير الذكر والمراقبة لله تعالى حتى يصل إلى مرحلة الحب له وفرح الوعي به ، والاستئناس بذكره ، وقد قال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [الأحزاب : 41-42] وقال : { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } [العنكبوت : 45] .
وفي الحديث الصحيح : (مثل الذي يذكر ربه ولا يذكره كمثل الحي والميت) [1] ولو رجعنا إلى ما حثت عليه النصوص من الذكر ، مما يسمى بعمل اليوم والليلة لوجدنا أن الالتزام بذلك يجعل المسلم لا يكاد ينفك عن تسبيح وتحميد وتهليل واستغفار وتضرع ودعاء ، ما دام مستيقظاً . إن كثرة ذكر لله تعالى تولّد لدى المسلم الحياءَ منه وحبه ، وتنشّطه للسعي في مرضاته ، كما تملأ قلبه بالطمأنينة والأمان والسعادة ؛ لينعم بكل ذلك في أجواء الحياة المادية الصاخبة .
إن الفكر يرسم المسار ، ويرشد إلى الطريق الأصلح للحركة والعمل ، لكنه لا يكون أبداً منبعاً للطاقة والعزيمة والإرادة الصلبة ، وإن الصلة بالله تعالى والتي هي لباب كل عبادة هي التي تمدنا بكل ذلك ، وإن المعاناة التي يشعر بها المسلم اليوم من جراء الانفصال بين قيمه وسلوكه ، لم تتجذر في حياة كثير من المسلمين إلا بسبب ما يشعرون به من العجز عن الارتفاع إلى أفق المنهج الذي يؤمنون به ؛ وذلك العجز لم يترسخ ، ويتأصل إلا بسبب نضوب ينابيع المشاعر الإيمانية في داخلنا !
إن تيار الشهوات والمغريات الذي يجتاج كل ما يجده أمامه اليوم ، لا يقاوم إلا بتيار روحي فياض ، يعب منه المسلمون ما يسمو بهم عن أوحال الملذات والمتع الدنيوية ، ويعوضهم عن نشوتها . ولذا فإن (أدب الوقت) يقتضي من المربين والعلماء الناصحين وأهل الفضل ، التوجيهَ إلى إثراء حياة الشباب والناشئة بالأعمال الروحية وعلى رأسها الذكر حتى لا يقعوا في مصيدة النسيان واللهو والإعراض عن الله تعالى .
إن مما صار شائعاً أن ترى بعض العاملين في حقل الدعوة ، وقد شُغلوا بضروب من أعمال الخير ، لكن الجانب الروحي لديهم صار ذابلاً ، وأقرب إلى الجفاف بسبب إفراغ طاقاتهم في السعي إلى تحقيق أهـداف عامة ، كنفع الناس ، أو الدعوة إلى الله تعالى دون أن يستحضروا النية ، ودون أن يطبعوا على ذلك اسم الله تعالى ودون أن يعطروه بشذى من الصلة به ، والإحساس العميق بالامتثال لأمره .
وكانت نتيجة ذلك أن فقدت تلك الأنشطة نكهتها وتأثيرها ، وقصّرت عن بلوغ أهدافها ، بل صار تسرب حظوظ النفس إليها أمراً قريباً ووارداً . إن البنية العميقة للثقافة الإسلامية متمحورة على نحو أساسي حول تعظيم الله ومرضاته ، وإن المسلم إذا فقد قوة الشعور بالارتباط بذلك ، لن يسعى في إعمار الأرض ، وإذا فعل ذلك فإن عمله لن يكون له أدنى تميز ، وسيخبط ، ويرتع كما يفعل غيره !

2- هناك مستوى آخر من نسيان الله جل شأنه يتمثل في تخطيط شؤون الحياة بعيداً عن الاهتداء بكلماته ، والتقيد بالقيود التي فرضها على حركة عباده . وهذا في الحقيقة هو النسيان الأكبر .
وعند تقليب النظر في واقع أمة الإسلام اليوم نجد أن نسبة محدودة من المنسوبين لهذه الأمة تلتزم على نحو كلي بفعل الواجبات ، وترك المحرمات . وبما أن الإحصاء حول أي شيء ليس مرغوباً فيه ، فإننا لا نعرف ، ولا نحزر الاتجاه الذي تسير فيه تلك النسبة المحدودة من الملتزمين : هل هو النمو ، أو هو الانكماش والانحسار ؛ لكن من الواضح أن العديد من القيم والأخلاق الإسلامية العتيدة بدأ يفقد التأثير في ضبط السلوك ، وتكوين المواقف ؛ لأسباب عديدة ، ليس هنا موضع ذكرها . وحين تسمع لكلام كثير من ذوي النفوذ والثقافة في الساحات الإسلامية لا تجد في أحاديثهم وخطابهم العام ما يدل في الشكل أو في الروح على أنهم على شيء من ذكر الله والدار الآخرة ، أو أنهم متأثرون بشيء من منهجيات هذا الدين وأدبياته ، على الرغم من أنهم يُذكرون في عداد المسلمين !
وإن مما يلاحظ في هذا السياق أن تطوراً مريعاً قد اجتاح لغة الخطاب لدينا خلال السنوات العشر الماضية ، فقد كانت لدينا قيم موضوعية ثابتة ، على من يستحق الثناء أن يتخلق بها ، وقد كان الناس يقولون : فلان طيب (ابن حلال) خلوق ، صالح ، مستقيم ، تقي ، متواضع .. أما اليوم فإن ألفاظ المديح تتمحور حول عدد من المزايا الشخصية المرتكزة على مهارات معينة ، وعلى علاقات اجتماعية واسعة ، هي أشبه بما على (مندوبي المبيعات) أن يتقنوه ! وصار يقال :
فلان ناجح ، شاطر ، اجتماعي (دبلوماسي) حَرِك ، مَرِن ، أثبت ذاته ، وحقق وجوده .
وفي اعتقادي أن مثل هذا التطور سوف يجعل المجتمع يموج باللصوص والمرتشين والمحتالين ما دام النجاح ، لا الفلاح ، هو المنظم الخفي للتراتيبية الاجتماعية ! وقد نعد هذا من أسوأ ما شاهدناه من أشكال التطور الأخلاقي والاجتماعي والتربوي ، وسوف تكون له آثار بعيدة المدى في البنية الأساسية للشخصية المسلمة على مدى عقود عديدة قادمة !



________________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 24 يونيو 2009, 00:20

3- إن الآية الكريمة صريحة في أن نسيان الله تعالى كان سبباً مباشراً في جعل المرء ينسى نفسه ، وكأن الذي يضيّع نفسه في عاجلها وآجلها ، يضيّع الدنيا فتلفه المشكلات من كل صوب ، ويضيع الآخرة بخسران النجاة والفوز بالجنة .
إن نسيان النفس ليس على درجة واحدة ، وإن الضرر الذي سيلحق الناس سيكون بالتالي متفاوتاً ، وعلى مقدار النسيان والتضييع لأمر الله تعالى سيكون التضييع للنفس والدنيا والآخرة .
إن خسران الآخرة للذين ينسون الله ، واضح المعالم ، ويستوي في معرفته العامة لدينا والخاصة ، لكن التضييع لأمر الدنيا هو الذي يحتاج إلى نوع من البيان ، ولعلنا نجلوه في النقطتين التاليتين :
- إن عصر المعلومات الذي يظلنا الآن سيكون والله أعلم أقصر العصور الحضارية ، وسوف يعقبه عصر آخر ، هو عصر (الفلسفة) وبحث المسائل الكلية ، وستطرح الأسئلة الكبرى : من أين جئنا ، ولماذا نحن هنا ، وإلى أين المصير ، ما حدود الطبيعة البشرية ، وما ماهية الخير والشر .. ؟ وإنما نقول ذلك ؛ لأن قراءة التعاقبات التاريخية ، تنبئنا أنه حين تصل حالة مّا إلى حدود متقدمة ، تبزغ من الطبيعة البشرية حالة مضادة لها ؛ فحين تشتد العقلانية أو التقنيّة في أمة ، فإن أشواقاً تنبعث لكسرها ، فينبثق من العقلانيّ العاطفيّ ، ومن التقنيّ الفلسفيّ والفكريّ ، إنه أحد مظاهر سُنّة التوازن التي بثها الخالق جل وعلا في هذا الكون !
ولذا فإن الهمجيّين وسوقة السوقة وحدهم ، هم الذين لا يتشوّفون إلى معرفة مصيرهم النهائي ، وإلى معرفة الغايات الكبرى للوجود !
حين تصير البشرية إلى هذه المرحلة ، سيكتشف الذين نسوا الله ، أنهم لا يملكون أي جواب جازم ، أو مُقْنع على الأسئلة الكبرى المثارة بإلحاح ، بل سيجد الغرب على نحو خاص أنه قد أحرق كل سفن العودة إلى (الوحي) الذي يُعد المصدر الوحيد الذي يجيب على تلك الأسئلة .
وقد كان (أينشتاين) يقول : (إن حضارتنا تملك معدات كاملة ، ولكنها تفقد الإحساس بالأهداف الكبرى) ! .
إن كل إصلاح لشؤون البيئة والاقتصاد ، وإن أي نوع من المحافظة على منجزات البشرية ، سيقتضي من اليوم فصاعداً تقدماً ملحوظاً على صعيد (الإنسان) وما لم يحدث هذا التقدم ، فإن كل شيء سيكون في مهب الريح ! !
والملاحظ بقوة أن الحضارة الحديثة بصبغتها المادية ، قد نقلت مجال السيطرة من الإنسان إلى الأشياء ، حيث أضعفت إرادة البشر ، وأحاطتها بكل ما يخل بتوازنها ، وهذا يعني أن الحضارة الغربية ببنيتها الحاضرة ليست مؤهلة للنهوض بالإنسان .
إذا كنا نعتقد أن الطبيعة البشرية واحدة ، فهذا يعني أن غايات وجودها يجب أن تكون واحدة ، وهذا هو منطوق الوحي ، وهذا ما لا يبصره الإنسان العلماني اليوم ! !
لن تكون الأسئلة المثارة أصيلة إلا إذا كان لها أجوبة موجودة عند جهة مّا وهذه الجهة لن تكون أبداً الإنسان ، فمن تكون إذن ؟ ؟
إن العقل البشري خلقه الله تعالى ليكون في الأصل عقلاً عملياً ، وهو في عمله يشبه (الحاسوب) ، وهو كالحاسوب لا يستطيع إدخال تحسينات جوهرية على المدخلات التي يُغذى بها ، وسيكون الأمر مضحكاً إذا عمدنا إلى تشغيل العقل البشري وتحسين طروحاته وعمله بشيء من منتجاته التي تولى تنظيمها الفلاسفة ، وهم الذين لم يفلحوا في الاتفاق على أي شيء ! ! . إن كل شيء اليوم يتقدم إلا الإنسان فإنه في تدهور مستمر ، وإن مما يثير الفَزَع أنه على مدار التاريخ كان التقدم المادي والعمراني مشفوعاً بانخفاض في وتائر التدين والسمات الإنسانية الأصيلة ، مما يدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يوازن بين مطالبه الروحية والجسدية ، دون عون من خالقه .
ولكن المؤسف مرة أخرى أننا لا نريد أن نعترف بذلك ؛ لأن ذلك يقتضي منا تغييراً هائلاً ، نحن غير مستعدين الآن لدفع تكاليفه !
إن نسيان الله تعالى قد أفسد النسيج الإنساني كله ، وحين يفسد النسيج العام ، فلن يكون ثمة فائدة تذكر من وراء التعليم والتدريب والتربية ، وكيف يمكن إصلاح خبز أو كعك أو فطير فسد طحينه ؟ !
إن ضعف الإنسان على مدار التاريخ كان من عوامل استمرار بقائه ، أما اليوم فقد اجتمع له القوة الغاشمة مع الطيش الشديد ، وهذا ما سيسبب الكوارث ما لم يحدث انعطاف كبير في اتجاه الرشد والهداية والتدين المبصر الأصيل .
ب - إن المهمة الأساسية للرسل عليهم السلام أن يبصّروا الناس بما يجب عليهم تجاه خالقهم ، وأن يذكّروهم الدار الآخرة ومطالب الفوز فيها : { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ } [غافر : 15] .
ومهمة المصلحين إذا ما أرادوا الاستجابة لدعوتهم أن يُنضحوا من التعاليم الإسلامية ما يمزجونه بالخيال الخصب والخبرة البشرية والملاحظات الذكية ، من أجل توفير الظروف التي تجعل الناس أقرب إلى الالتزام . وإن هذه الدنيا دار ابتلاء ، ولذا فإن علينا دائماً أن نختار ما يصلح أحوالنا ، وإن لكل عصر اختياراته واجتهاداته . والمشكلة أن الفضائل والقيم والنظم لا تتفق بعضها مع بعض اتفاقاً كلياً ، بل إن إقامة كثير منها قد يتطلب التضحية ببعضها الآخر : إذا اخترنا الحرية الفردية ، فقد يقتضي ذلك التضحية بشكل تنظيمي نحن في أمس الحاجة إليه ، وإذا اخترنا العدالة ، فقد نُرغَم على التضحية بالرحمة ، وإذا اخترنا المساواة ، فقد نضحي بقدر معين من الحرية الفردية ..
ومن وجه آخر هل يصح أن نعذب أطفالاً كي ننتزع منهم معلومات عن خونة أو مجرمين خطرين ؟ وهل للمرء أن يقاوم حاكماً ظالماً ، ولو أدى ذلك إلى مقتل والديه أو أطفاله ؟ ؟
كل هذا لا يستطيع العقل أن يعطي أجوبة واضحة وقاطعة عنه . وننتهي من هذا إلى أن كل مجتمع يحتاج إلى مقدار مّا من تلك الفضائل والنظم ، كي يجعل حياته متوازنة ومتسقة ، فكيف يتم تحديد ذلك المقدار ؟
إن المنهج الرباني لا يحدد لنا على نحو دقيق القدر المطلوب من التماثل الاجتماعي ، ولا القدر المطلوب من الحرية الفردية ، أو العدل أو الرحمة .. لكنه يضيق دوائر الاختيار ، ومساحات البحث والاجتهاد ؛ والفارق بين المهتدي بنور الله والمحروم منه كالفارق بين من يبحث عن إبرة في صحراء ، ومن يبحث عنها في غرفة . على الجميع أن يبحث ، ولكن حظوظ العثور على المطلوب متفاوتة تفاوتاً عظيماً ، كما أن إمكانات الوقوع في الخطأ ، هي الأخرى متفاوتة كذلك .
إن العقل بطبيعة تركيبه لا يستطيع أن يعمل في أي مجال : فلسفي أو تنظيمي أو تقني إلا إذا أُسعف بإطار توجيهي يهيئ له مقدمات ، وبعض المدخلات الضرورية ، وإن المنهج الرباني عقيدةً وشريعةً هو الذي يوفر ذلك الإطار .
في مجال التربية الاجتماعية مثلاً نجد أن الشريعة الغراء حددت لنا محاور أساسية ، يجب أن ترتكز عليها أنشطتنا التربوية ، وهي ما سماه أهل الأصل بالكليات أو الضرورات الخمس ، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال ، وقد تكفّل الفقه الإسلامي بتوفير الأحكام والأدبيات التي ترسم حدود الحركة التربوية في ظل هذه المحاور الخمسة ، كما وضحت المرتبية التي يجب اتباعها عند ضرورة التضحية ببعضها لحفظ الآخر ، على ما هو واضح في كتب الأصول والفقه ؛ فالشأن التربوي لدينا على علاته أفضل مما هو موجود لدى دول كثيرة متقدمة عمرانياً ؛ وذلك بسبب وجود هذا الإطار التوجيهي ، وهذا كله مع أن أكثر الشعوب الإسلامية تعاني من أوضاع معيشية قاسية ، والجرائم بأنواعها لدينا أقل ، والتماسك الأسري والاجتماعي أفضل .
إن محنة العقل الذي نسي الله لم يحن أوانها بعدُ ، ولكن إذا وصل النمو الاقتصادي إلى حدوده القصوى ، وانتشرت البطالة ، وعم ضنك العيش ، فسوف يرى كل المعرضين عن دين الله أن الليبرالية والرأسمالية ليست أفضل ما أنتجه العقل البشري ، وأن الخلاص يتطلب مراجعة جذرية ، من أجل العودة إلى سبيل الرشاد .
الإنجازات الحضارية وسعادة الأفراد ، ووحدة الكيان الحضاري ، كل ذلك سيكون على حافة الهاوية إذا لم يضئ كل منعطفات الطريق شعاع من الغاية الكبرى ، وإذا لم تتلفع جميعاً بهدي من هدي الله ؛ والله غالب على أمره .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 24 يونيو 2009, 00:26

{فاستقم كما أمرت}




يقول الله (عز وجل) : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ } [*] .
قضية الاستمرار في الامتثال لأمر الله (تعالى) في المنشط والمكره من القضايا الجوهرية في التصور الإسلامي ، ومن القضايا الجوهرية كذلك في بنية التشريع وأدبياته ، وليس أدل على ذلك من وصية الله (تعالى) لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في هذه الآية وفي غيرها بـ (الاستقامة) ، التي هي : (المداومة على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه) .
وقد قام (عليه الصلاة والسلام) بإسداء النصح بلزومها لمن سأله عن قول فصل يصلح به جماع أمره ، حيث جاء في الصحيح : أن سفيان بن عبد الله (رضي الله عنه) قال : قلت : (يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك ، قال : قل : آمنت بالله ، ثم استقم) [1] .

ولنا مع هذه الآيات المباركة الوقفات التالية :
1- إن في قوله (جل وعلا) { وَلا تَطْغَوْا } ، وقوله : { وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } إشارة واضحة إلى ما يعترض سبيل الاستقامة من ملابسات السرّاء والضرّاء ، وقد أخبرنا ربنا (جل وعلا) أن من طبيعة البسط والتمكن استدعاءَ البغي والطغيان ، حيث قال (سبحانه) : { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ } [الشورى : 27] .
والبغي هو مجاوزة الحد ، وهو يتجسد في صور متعددة : فبغي القوة :
البطش بالضعفاء ، وبغي الجاه والنفوذ : الظلم وأكل الحقوق ، وبغي العلم : اعتماد العالم على ما لديه من شهرة ومكانة ؛ مما يدفعه إلى القول بغير دليل ، ورد أقوال المخالفين من غير حجة ولا برهان ، وطغيان المال : التبذير والإسراف والتوسع الزائد في المتع والمرفهات .
والعارض الثاني للاستقامة على خلاف الأول ، حيث تدفع الطموحات والتطلعات المصلحية والضعف والظروف الصعبة إلى مصانعة الظالمين ومداهنتهم وإشعارهم بالرضا عما هم فيه ، والاستفادة من قوتهم وما لديهم من متاع في تحسين الأحوال وتحقيق المكاسب ... مع أن طبيعة الاستقامة والالتزام في هذه الحال تقتضي المناصحة ، والهجر ، والضغط الأدبي ، والتحذير من التمادي في ذلك ، وهذا كله منافٍ للركون ؛ لكن الشيطان يبرهن دائماً على أنه يملك خبرات مميزة في تزيين الباطل والتلبيس على الخلق ، فهو ينسيهم أحكاماً ومواعظ وأدبيات ومواقف وتجارب ، ويدفع بهم بعيداً عن كل ذلك !

2- إن الاستقامة في التحليل النهائي ليست سوى تمحور المسلم حول مبادئه ومعتقداته ، مهما كلف ذلك من عنت ومشقة ، ومهما ضيع من فرص ومكاسب .
وينبغي أن يكون واضحاً : أن المرء إذا أراد أن يعيش وفق مبادئه ، ورغب إلى جانب ذلك أن يحقق مصالحه إلى الحد الأقصى ، فإنه بذلك يحاول الجمع بين نقيضين ، وسيجد أنه لا بد في بعض المواطن من التضحية بأحدهما حتى يستقيم أمر الآخر .
إن تحقيق المصلحة على حساب المبدأ يُعدّ انتصاراً لشهوة أو مصلحة آنيّة ، أما الانتصار للمبدأ على حساب المصلحة فإنه بمثابة (التربع) على قمة من الشعور بالسعادة والرضا والنصر والحكمة والانسجام والثقة بالنفس ، وقد أثبتت المبادئ أنها قادرة على أن تكرر الانتصار المرة تلو المرة ، كما أثبت الجري خلف الشهوات دون قيد ولا رادع أنه يحقق نوعاً من المتع والمكاسب الآنيّة ، لكنه لا يفتأ أن يرتد على صاحبه بالتدمير الذاتي ، حيث ينمو الظاهر على حساب فساد الباطن ، ويتألّف الشكل على حساب ضمور المضمون !
إن المبدأ أشبه شيء بـ (النظارة) إذا وضعناها على أعيننا ، فإن كل شيء يتلّون بلونها ، فصاحب المبدأ له طريقته الخاصة في الرؤية والإدراك والتقويم ، إنه حين يرى الناس يتسابقون على الاستحواذ على منصب يستغرب من ذلك ، ويترفّع ؛ لأن مبدأه يقول له شيئاً آخر غير ما تقوله الغرائز للآخرين ، وإذا رأى الناس يخبطون في المال الحرام تقززت نفسه ؛ لأنه يعلم ضخامة العقوبة التي تنتظر أولئك ، وإذا أصيب بمصيبة فإنه يتجلد ويصبر ؛ لأنه يرجو المثوبة عليها من الله (تعالى) .
إذا قلّبنا النظر في اهتمامات الناس ومناشطهم اليومية فإن من السهل الوقوف على المحور الذي يعلقون عليه توازنهم العام ، ويدورون بالتالي في فلكه ، وهناك تشاهد من همّه الأكبر النجاح في عمله والمحافظة على سمعته فيه ، كما تشاهد من يتمحور حول المتعة ، فهو يبحث عنها في كل نادٍ وواد ، ومن يتمحور حول المال ، فهو يجوب العالم بحثاً عنه ، ومن يبحث عن السيطرة والنفوذ ، فهو مستعد لأن يفعل أي شيء في سبيل التمكن والتحكم .. وتجد ثلة قليلة بين هذا الطوفان من البشر استهدفت أن تحيا لله ، وأن تبحث عن رضوانه ، ومن ثم : فإنه يمكن تفسير كل أنشطتها ومقاصدها في ضوء هذا المحور ، وهذه الثلة هي التي أُمِر النبيّ - صلى الله عليه وسلم- أن يفصح عن محورها باعتباره رائدها وهاديها : { قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ } [الأنعام : 162 ، 163] .
إن الذين يعلنون الولاء للمبادئ كثيرون ، بل هم أكثر أهل الأرض ، ولكن لا برهان على ذلك لدى أكثرهم ، ويمكن أن يقال : إن لأكثر الناس دينين : ديناً معلَناً وديناً حقيقيّاً ، ودينُ المرء الحقيقي هو الذي يكرِّس حياته من أجله .
إن من طبيعة المبدأ أنه يمد من يتمحور حوله بقوى وإمكانات خارقة وخارجة عن رصيده الفعلي ، ولذا : فإن التضحيات الجليلة لا تصدر إلا عن أصحاب المبادئ والالتزام ، وهم أنفع الناس للناس ؛ لأنهم يثرون الحياة دون أن يسحبوا من رصيدها الحيوي ، إذ إنهم ينتظرون المكافأة في الآخرة .
التمحور حول المبدأ هو الذي يمنح الحياة معنى ، ويجعلها تختلف عن حياة السوائم الذليلة التي تحيا من أجل التكاثر ومجرد البقاء ! !
المبدأ هو الذي يُضفي على تصرفاتنا الانسجام والمنطقية ، ويجعلها واضحة مفهومة .
نحن لا ننكر أن الظروف الصعبة تُوهِن من سيطرة المبدأ على السلوك ، لكن تلك الظروف هي التي تمنحنا العلامة الفارقة بين أناس تشبّعوا بمبادئهم ؛ حتى اختلطت بدمائهم ولحومهم ، وأناس لا تمثل المبادئ بالنسبة لهم أكثر من تكميل شكلي لبشريتهم [2] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 24 يونيو 2009, 00:29

3- لا يماري أحد في أن الإنسان اكتشف في العصر الحديث من الآيات والسنن ما لم يكتشف عشر معشاره في تاريخ البشرية الطويل ، لكن مع هذا فعنصر المخاطرة والإمكانات المفتوحة ما زال قائماً ؛ حيث تتحكم في الظاهرة الواحدة عشرات الألوف من العلاقات التي يصعب معها التنبؤ بنتائج الاجتهادات والأنشطة المختلفة ، ولا سيما في القضايا الكبرى ، كمصائر الأمم والحضارات ، وقضايا التقدم والتخلف ، وما تنطوي عليه من تفاعلات وتغيرات ، وإن الله (جل وعلا) قد ضمن لنا نتائج الاستقامة في الدنيا والآخرة ، فهي بوجه من الوجوه وعلى نحو من الأنحاء لا تكون إلا خيراً ، وإلا في صالح الإنسان ، وقد قال الله (جل وعلا) : { إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الأعراف : 128] ،
وقوله : { لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [طه : 132] ، وقوله : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأعراف : 96] .
أما من يسلك دروب المعاصي والفجور ، ويتبع مغريات الأهواء والشهوات فإنه يظل يتوجس خيفة من سوء العاقبة ، لكنه لا يعرف شكل العقوبة ، ولا طريقة نزولها ولا توقيتها ؛ ليكون الشك والغموض والخوف عاجل جزائه ، ومقدمةً للبلاء الذي ينتظره ، ثم تكون الخيبة الكبرى والخسارة العظمى ! !
إن هناك فترة سماحات تطول أو تقصر بين الانحراف وعواقبه وهذا هو الذي جعل الابتلاء تامّاً ، كما أنه هو الذي جرّأ أهل المعاصي على التماري في غيهم ، لكن العاقل الحصيف ينظر دائماً إلى الأمام ويتحسس ما هو آتٍ ، ويضغط على واقعة من أجل السلامة في مستقبله .

4- علينا أن نجمع بين النصوص التي تدل على ضرورة الاستقامة والالتزام بالمنهج الرباني ، والنصوص التي تفيد رفع الحرج والعنت عن هذه الأمة ، من مثل قوله (جل وعلا) : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج : 78] ، وقوله : { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا } [البقرة : 286] ، وقوله : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ } [البقرة : 185] ، وإذا فعلنا ذلك ، فإننا سنفهم من مجموعها أمرين :
الأول : هو ضرورة تزويد المسلمين بثقافة شرعية تتضح فيها حدود الواجبات والمباحات والمحظورات ، بما يشكل خارطة فكرية واضحة لما ينبغي أن يكون عليه سلوك المسلم وعلاقاته .
الثاني : توفير الظروف والشروط الموضوعية التي تجعل التزام المسلم بدينه ميسوراً ، وبعيداً عن الحرج والمشقة التي لا تُحتمل ؛ إذ إنه لا يكفي أن تكون التعاليم الإسلامية ضمن الطوق ، بل لا بد إلى جانب ذلك من أن تكون الظروف المعيشية العامة التي يحيا فيها المسلم مناسبة ومشجِعة على الالتزام .
إنه كلما تعقدت الظروف المطلوبة للعيش الكريم قلّ عدد أولئك الذين يتصرفون ضمن مبادئهم ويلتزمون حدود الشرع ، فحين يكون المرتّب الشهري للموظف لا يكفي لسداد أجرة البيت الذي يسكنه فإن شريحة كبيرة من الموظفين سوف تلجأ إلى طرق غير مشروعة في تأمين احتياجاتها اليومية ، وآنذاك سيشعرون أن الالتزام التام لا يخلو من العنت ، وحينئذ سيكون عدد الملتزمين بالطرق الشرعية في الكسب محدوداً .
إن الحضارة الحديثة أضعفت الإرادة بما أوجدته من صنوف اللهو والمتع ، وجعلت الشروط المطلوبة للحد الأدنى من العيش الكريم فوق طاقة كثير من الناس ، كما أنها أوجدت من الطموحات إلى الكماليات وأشكال المرفِهات ما يتجاوز بكثير الإمكانات المتاحة ، وهذا كله جعل الاستقامة على الشرع الحنيف بحاجة إلى نمط من الرجال أرقى ، كما جعل من الواجب على الأمة أن تفكر مليّاً في توفير ظروف تساعد على الاستقامة ، وتحفز عليها .
إن المنهجية الإسلامية تقوم دائماً على ما يمكن أن نسميه بـ (الحلول المركبة) ؛ إذ إن هناك من النصوص والأحكام ما يرفع الوتيرة الروحية للمسلم ، كما إن هناك ما يزيد في بصيرته ، وهناك ما يدعوه إلى الصبر والجلد ، وهناك ما يحفزه على تحسين ظروف عيشه وأدائه ، ولا بد أن نمح الفاعلية لكل ذلك حتى يمكن تجسيد المنهج الرباني في حياة الناس .
إن الفكر مهما كان قويّاً ، وإن الوعي النقدي مهما كان عظيماً ، فإن سلوك الناس لن يتغير كثيراً ما لم تنشأ ظروف وأوضاع جديدة تحملهم حملاً على التحول إلى سلوك الطريق الأقوم والأرشد .
ويؤسفني القول : إننا لم نستطع إلى الآن أن نبلور نظرية إصلاحية إسلامية معاصرة ومتعمقة في تلمس شروط الاستجابة والظروف الصحيحة والمثلى لها ، إلى جانب تلمس مجمل الحساسيات والترابطات والتداعيات التي تشكل المناخ المطلوب لقيام حياة إسلامية راشدة ! .
إن جل اهتمامنا ينصب على بيان ما يجب عمله ، أما البرامج والكيفيات والإجراءات والأطر والسياسات التي يجب اتباعها وتأسيسها من أجل تحويل المبدأ إلى واقع معيش .. فإنها لا تلقى ما تستحقه من اهتمام ومتابعة ، والخبرات لدينا في ذلك ما زالت ضئيلة ، بل إن هناك مَن يستوحش من الخوض في غمار مثل هذا النوع من البحث ، ويعد التعمق في ذلك ضرباً من (الاستغراب) أو الجنوح نحو المادية ! ، ومن الدعاة من يدعي أنه عارف بكل ذلك ، لكن لو نظرت في إنتاجه المعرفي لم تقف له في هذه السبيل على كتاب أو رسالة ، بل على خاطرة أو فكرة .

(وما أطيب العرسَ لولا النفقة) ! !
ولله الأمر من قبل ومن بعد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 24 يونيو 2009, 00:38

{ وخلق الإنسان ضعيفاً }
الإنسان هذا المخلوق العجيب هو صنعة الله تعالى المحكمة الدقيقة هذا الإنسان الذي يبدو للوهلةالأولى في منتهى البساطة مشتمل على كل أشكال التعقيد ، إنه يبدو قوياً مخيفاً مع أنه في حد ذاته ضعيف في كل جانب من جوانب شخصيته ضعفاً لا يوازيه شيء سوى ما يدعيه من القوة والعزة والسطوة !
إن هذه الكلمات القرآنية الثلاث قد لخّصت لنا جوهر الإنسان ، لكن دون أن تضع لنا الإصبع على مفردات ذلك الضعف ومظاهره ليظل اكتشافها التدريجي عبارة عن دروس وعظات مستمرة تذكر الإنسان بحقيقته ، وسوف ينفذ العمر دون أن نحيط بحقيقة أنفسنا .

ويمكن أن نسلط الضوء على بعض ما أدركناه من ضعفنا وبعض ما يجب علينا تجاه ذلك في الكلمات التالية :
1- تَبَصّر بني الإنسان عل الرغم من التقدم المعرفي الكبير بأجسامهم مازال محدوداً إلى يوم الناس هذا ، فهناك أجزاء من أجسامنا مازالت مناطق محرّمة ، فعلم الدماغ مازال علم إصابات أكثر من أن يكون علم وظائف وتشريح ، ومركبّات الأنسجة والسوائل المختلفة في أجسامنا وتفاعلها مع بعضها مازال الكثير منها مجهولاً ، فإذا ما دلفنا إلي مناطق المشاعر والإدراك وصلاتها وتفاعلاتها بالجوانب العضوية ، وجدنا أن كثيراً مما لدينا ظنون وتخرصات أكثر من أن يكون حقائق .
فإذا ما خطونا خطوة أخرى نحو العالم الوجداني والروحي وجدنا أنفسنا في متاهات وسراديب ، حتى إن الفردية لتطبع كل ذرة من ذرات وجودنا المعنوي ، مما يجعل إمكانات الفهم ووضع النواميس والنظم العامة أموراً قليلة الفاعلية محدودة النجاح .
إن الباحثين في مجالات علوم الإنسان يجدون الطرق متشعبة ملتوية كلما تقدموا نحو الأمام ، على حين أن الباحثين في علوم الطبيعة يستفيدون من أنواع التقدم المعرفي الأفقي في إضاءة ما بقي مظلماً من مسائل الطبيعة والمادة . وتقدّس الله تعالى إذ يقول : ] ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ [الإسراء : 85]
ويزداد ظهور ضعف الإنسان حين يدخل الإنسان في صراع بين عقله ومشاعره حيث يجد نفسه عاجزاً عن دفع مشاعره والخلاص من وساوسه والتغلب على مخاوفه أو معرفة مصدرها في بعض الأحيان ، ليدرك المرة تلو المرة أنه مع طموحه إلي السيادة على الأرض وغزو الفضاء قاصر عن السيطرة على نفسه !
إن فاعلية كل رأي ودقته نابعان من مجموعة العمليات التي يستند إليها فحين تكون تلك العمليات ظنية وعائمة فإن آراءنا الطبية والنفسية سوف يظل كثير منها هشاً ونسبي الصواب .

2- هذا الإنسان الضعيف لا يستطيع أن يبصر الأمر إلا ضمن شروط ومعطيات زمانية ومكانية وثقافية خاصة ومحدودة ، فهو لا يستطيع أن يتخلص من محدودية الرؤية وضرورة النظر من زاوية معينة ، وهذا هو السرّ الأكبر في أننا لا نملك أن نتفق حول كثير من ا لمسائل والقضايا المطروحة . إن خصوصية تكويننا وظروفنا ومشاعرنا تدفع مواقفنا وآراءنا إلى التفرد ، ومن ثم فإننا نعجز عن توحيد الرؤية وبسط الرأي الواحد في أكثر شؤوننا .

3- نحن عاجزون عن إدراك الأشكال النهائية لأكثر حقائق هذا الكون دفعة واحدة ، فالحقائق لا تسفر لنا عن كل أبعادها وأطوارها إلا على سبيل التدرج ، ومن ثَمّ فإن الإنسان الضعيف يظل يكتشف عجزه باستمرار ، وكأن ما يحرزه من التقدم اليوم ليس إلا عنواناً على ما كان يجهله بالأمس ، وما سيصل إليه غداً ليس إلا رمزاً على ما يجهله اليوم ، ومن ثم فإن التغيير والتطوير يظلان ملازمين لكل إنتاجاتنا وإبداعاتنا علي مقدار ما نحرزه من تقدم في العلم والفهم ، والمقولة التي لا يفتأ هذا المخلوق الضعيف يرددها : » لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كذا، ولقلت كذا .. ، وانطلاقاً من هذا فإن من سمات النظريات العلمية الناجحة أن تكون منفتحة وذات قابلية جيدة للإضافات التي تأتي بها حركة كشف الحقائق وإدراك المجهولات .

4- هذا الإنسان الضعيف لا يستطيع أن يجزم بشيء مقطوع من حوادث المستقبل ، فمهما أدرك المرء الظروف والعوامل والمؤثرات التي تحيط به لم يستطع أن يعرف ماذا سيحدث له بعد شهر أو يوم أو ساعة ، وأعظم أطباء الدنيا لا يستطيع ضمان استمرار حياته أو حياة غيره ساعة من زمان ، ومن ثمّ فإن القلق والخوف من المستقبل هما الهاجس الجاثم فوق صدر الإنسان الحديث الذي فقد الإيمان وفضيلة الدمج بين الحياة الدنيا والآخرة ، والمتأمل في كثير من الأقوال والتصريحات والدراسات يجد أن خبراء الاستراتيجية هم أكثر الناس مجازفة ولا سيما عندما يشرعون في سرد التفاصيل للأحداث المتوقعة ، حيث تقصر طاقات البشر وإمكاناتهم عن التنبؤ بها [2] .

5- أكثر ما يظن فيه عجز الإنسان وضعفه هو الإمكانات التي يمتلكها لفهم الواقع المعاش بكلياته وجزئياته ومشكلاته وخباياه ، وقد كثرت في أيامنا هذه الدعوة إلى فهم الواقع وفقهه ، وهي دعوة مهمة ، لكنها تخفي في طريقة طرحها نوعاً من التبسيط للمسألة ، حيث إن فهم الواقع أو مقاربته مسألة من أعقد ما يواجهه العقل البشري ، فالقيم التي نؤمن بها تتحكم إلى حد كبير في رؤيتنا لذلك الواقع ، وكثيراً ما تشكل حائلاً بيننا وبين رؤية حقيقة ما يجري فيه . والعقل الإنساني حتى يلامس الواقع فإنه يفترض ثباته وجموده ، على حين أن الواقع يظل محطّة لتدفق التحولات المشعثة الكثيرة والحادة أحياناً مما يجعل إدراكنا قاصراً عن ملاحقته ، وبالتالي فإن أحكامنا تصدر على أشياء فائتة ومنتهية ومن هنا فإنه لابد من بناء (إشكالية) ، يتم من خلالها تقسيم الواقع إلى قضايا يمكن تحديدها وتقديم إجابات وحلول لها ، والنمط الذي سنصور الواقع من خلاله هو عبارة عن صورة عقلية مركبة تدخل فيها رؤانا العقدية إلى جانب العناصر المعرفية والقيم الاجتماعية التي ترشد حركة المجتمع ، ومادام كل ذلك متفاوتاً عند الناس فإن عجزنا عن لمّ الخلاف سوف يظهر أكثر وأكثر عندما نحاول تقويم الواقع وإصدار الأحكام عليه .
وهذا ما سيؤدي بالتالي إلى اختلافات كثيرة في مناهج الإصلاح ومشروعات النهوض الحضاري ، وهنا يظهر مرة أخرى مأزق وهن الإنسان حيث إن التقدم العلمي لا يتحقق دون الإغراق في التخصص ، والتقدم يستمد مشروعيته وأهميته من كونه يقدم الأدوات التي تساعد على إصلاح شأن الإنسان وترشيد قراراته ، لكن الإغراق في التخصص يحول دون فهم الواقع ودون فهم حاجات الإنسان المختلفة من منظور شامل ، إذ إن مجال التخصصات هو الجزئيات ، وفهم الواقع الإنساني يحتاج إلى رؤى ونظريات كلية لا تتوفر عادة عند الاختصاصيين .. ومن هنا ندرك لماذا نرى تقدم المعرفة وتأخر الإنسان وانحداره شيئاً فشيئاً نحو البربرية ! إننا عاجزون عن رعاية شؤوننا إذ اما ابتعدنا عن الانتفاع بالهداية الربانية .

الموقف الموضوعي مما سبق :
إذا كان الإنسان على ما ذكرنا من العجز والقصور فإن عليه أن يطامن من نفسه ، ويخضع لقيوم السموات والأرض خضوع العارف بضعته المدرك لعظمة خالقه متخذاً من ذلك باباً للأوبة والتوبة الدائمة .
وعلى الإنسان مع ذلك أن يحترم عقله وقدراته فلا يزجّ به في مجاهيل وغيوب لا يملك أدنى مقدمات للبحث فيها ، حتى لا يتناقض واقعه مع ذاته ومن المنهجية القويمة أن نعلّم أنفسنا الصبر على الاستقراء والتأمل وعدم المسارعة إلي إطلاق الأحكام الكبيرة قبل التأكد من سلامة المقدمات التي تستند إليها ، وحين نصل إلي حكم ظني فإنه علينا أن نصوغة بطريقة تُشعر المطلع عليه بذلك ، فلا نسوق القطعيات مساق الظنيات ، ولا الظنيات مساق القطعيات . ويروون عن الإمام مالك رحمه الله أنه كان كثيراً ما يردد قوله تعالى ] إن نظنُّ إلا ظنَّاً وما نحن بمستيقنين[ [الجاثية : 32] وذلك عندما يُستفتى فيفتي ، وقد عتب الإمام الجويني على الماوردي أنه كان في كتابه » الأحكام السلطانية « يسوق المظنونات والمعلومات على منهاج واحد « [3] . مع أن النصوص في مجالات » السياسة الشرعية « قليلة ، وأكثر المسائل فيها مبنية على الاجتهاد .
إن الوضعية التي وضع الله تعالى فيها الإنسان تحتم أن نظل في حالة من الاستعداد الدائم لقبول الحق أياً كان مصدره والتراجع عن الخطأ وتعديل الرأي وامتلاك فضيلة المرونة الذهنية ، وعلى الله قصد السبيل .

لروسيا ثم ** يتبع........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
dr.itac
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 531
نقاط : 985291
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
العمر : 31
الموقع : تلحاصل

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   السبت 27 يونيو 2009, 17:30

مشكور حسان

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://gondima.moontada.net
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:03

(ادخلوا في السلم كافة)
إن المراد بـ » السّلم « هنا : ( الإسلام ) على ما رجّحَه عدد من المفسرين وإن ( كافّة ) حال من ( السّلم ) على ما نرجحه ، ويكون المراد آنذاك : الأمر بالأخذ بتكاليف الإسلام جميعها : ما تميل إليه النفس منها ، وما يخالف هواها .
وتصرح الآية الكريمة بأن في عدم الأخذ بالإسلام كاملاً نوعاً من اتباع الشيطان ، حيث إن المنهج الرباني يباين السبل الأخرى في فلسفتها العامة ، وإن التفريط بشيء من ذلك المنهج سيكون فيه اتباع (آلي) لسبيل الشيطان حيث لا يوجد خيار ثالث .

ويمكن أن نستبصر في إشراقة هذه الآية المباركة المفردات التالية :
1- إن المنهج الرباني يتسم بسمتين أساسيتين هما : التكامل والتفرد فهو نظراً لتكامله لا يفسح المجال لعناصر أخرى منافية لجوهره ، وأما تفرده عن المناهج الأخرى فإنه يمنحه نوعاً من الحساسية الخاصة التي تجعل أي انحراف عنه أو به عن مقاصده وغاياته بالغ الضرر على أدائه وإصلاحه للشأن الإنساني كله ، فالصفاء الكلي ليس مطلباً من مطالب الإيمان النظري ، ولكنه مطلب من مطالب توظيف المنهج ورسم دوائر حيويته وفاعليته ، وذلك نظراً للعلاقة الجدلية بين النظرية والتطبيق ، فسلامة الإيمان على مستوى الاعتقاد تتأثر إلى حد بعيد بالأخذ الجزئي للإسلام على مستوى التطبيق ! .
وقد حذّر القرآن الكريم النبي-صلى الله عليه وسلم-من مطاوعة المشركين في الإعراض عن بعض المنهج الرباني حين قال : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } [1] .

2- إن خصال الخير في هذا الدين كثيرة ، وعلى مقدار ما يأخذ المسلم منها يكون كمال إيمانه وإسلامه ، لكن بما أن العمر محدود والطاقات محدودة فإن على المسلم إذا أخذ بعُمُد الإسلام ، واهتدى بهديه العام ، وقبس من كمالاته ، أن يبحث عن المجال الحيوي المناسب لاستعداداته وظروفه وطاقاته كي يتخذ منه محراباً لتعبده وتقربه إلى الله تعالى ، حتى نحفظ للمجتمع الإسلامي توازنه ونسد ثغراته .
ومن هنا فإن عبادة طالب العلم محاولة النبوغ ، وإتقان التخصص حتى نحقق للأمة الاكتفاء الذاتي ولو في حده الأدنى على الصعيد العلمي والفني وعبادة علماء الشرع القيام بالتبليغ وإحياء السنن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتجديد وظائف التدين والتبصر في واقع الأمة ، وإن عبادة الحكام إقامة العدل ، ورعاية شؤون الأمة ، وحماية البيضة ، والتعفف عن الأموال العامة ونشر الدعوة ، وعبادة الجندي دوام التمرس بفنون القتال ، واستيعاب الأسلحة الجديدة واستشراف الشهادة ، والاستعداد الدائم للبذل والفداء ، وإن عبادة الأغنياء وذوي الجاه سد حاجة الفقراء ومساعدة الضعفاء على حل مشكلاتهم والوصول إلى حقوقهم ، والبذل في تشييد المرافق العامة ، وهكذا ...
وإن خروج كل واحد من هؤلاء عن مجاله الحيوي سيحرمه ، ويحرم الأمة من خير عظيم ، بل قد يؤدي إلى أضرار بالغة وخيمة العواقب ، فإذا صار هم العالم امتلاك المال بنية إعمار المساجد مثلاً تقلصت جهوده في ميدانه الحقيقي الذي ينبغي عليه المجاهدة فيه ، وإذا انشغل الحاكم بأعمال خيرية أو أداء النوافل عن واجباته الأخرى ، لم يكن ذلك موضع مدح ولا نفع ذي شأن للأمة المسلمة ، وهكذا ...
وهذا كله يحتاج إلى نوع من البصيرة النافذة بغية وضع الأمور في نصابها .

3- إن أنظمة الإسلام يكمل بعضها بعضاً ، كما يفعّل بعضها بعضاً ومن ثم فإن أي خلل أو ضعف في نظام من تلك الأنظمة يؤثر بالسلب على أداء باقيها ، وهذا يعود إلى ما ذكرناه آنفاً من ميزة (التكامل) التي يمتاز بها المنهج الرباني ، ونظراً لأهمية هذه المسألة وضعف الإدراك لها سنفيض القول فيها عسى أن نشعر أننا نقف على أرض صلبة .
وفي البداية فإن مبادئ الإسلام ومنظوماته المختلفة تنضوي تحت رؤية واحدة مما يجعل التخلي عن أي منها هدماً لجزء من الرؤية الكونية الإسلامية ويستوي حينئذ على الصعيد العملي على الأقل الجهل بذلك الجزء مع تجاهله أو جحده ، والنتيجة واحدة ، وهي غبشٌ في الرؤية على المستوى النظري ، واختلال في التوازنات العميقة على مستوى الشعور ، واضطراب أنظمة الحياة الإسلامية على مستوى الفعل والواقع المُعَاش ، وسنضرب العديد من الأمثلة لجلاء هذه الحقيقة .
أ- الزكاة جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي ، وعدم القيام بهذه الشعيرة يؤدي إلى عدم كفاءة النظام الاقتصادي ، كما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنظام الاجتماعي والأخلاقي أيضاً ، فالمقدار المفروض من الزكاة في الأموال وعروض التجارة هو 2 . 5% ، وهذا القدر كاف لسد العديد من حاجات المجتمع الإسلامي على مقتضى الحكمة الإلهية البالغة ، لكن ذلك سيكون في الأحوال العادية والطبيعية وفي غير الأحوال الطارئة كما في حالات الزلازل والفيضانات ، وذلك أيضاً فيما إذا التزم أغنياء المسلمين بإخراجها ، وإذا استمر ذلك الالتزام حقبة مناسبة من الزمن ، فلو قدرنا أن 10% من الأغنياء أخرجوا الزكاة وأن التزامهم بأدائها في مجتمع ما لم يمض عليه سوى سنتين ، فإن الزكاة آنذاك لا تقوم بمهامها على الوجه المطلوب ، حيث إن الحالتين اللتين ذكرناهما تجعلان الفقر يتراكم ويتفاقم إلى الحد الذي لا تفي أموال الزكاة بالتخلص منه .
ثم إن نظام الزكاة يؤدي مهامه في ظل فعالية الأنظمة الأخرى ، فإذا كانت موارد القطر شحيحة جداً ، أو كان النظام السياسي فيه مختلاً ، وأدى ذلك إلى انتشار البطالة والعطالة عن العمل ، فإن نظام الزكاة بالتالي لا يوصلنا إلى الأهداف المنشودة منه .
وباعتبار الزكاة جزءاً من النظام الاقتصادي الإسلامي ، فإنها أيضاً لا تؤدي وظائفها إلا بفاعلية النظام الذي تنتمي إليه ، فمثلاً : (القرض الحسن) جزء من ذلك النظام ، وإعراض الدولة أو الشعب عنه يؤدي إلى نوع من تعطيل حركة المال وتداوله ، وبالتالي إلى ضعف حركة التنمية والاستثمار مما يفضي أيضاً إلى قلة فرص العمل وكثرة الفقراء والمعوزين .
ومرة أخرى فإن فاعلية نظام الزكاة ترتبط جزئياً بقيام الدولة بواجباتها من ضمان الحد الأدنى من المعيشة للفقير بالقدر الذي يحفظ كرامته ، ويجعله في وضع منتج مثمر ، فإذا عجزت الدولة عن ذلك أو قصرت فيه ، فإن آلية (نظام السوق) ستوجد شريحة واسعة من المحتاجين الذين لا يمكن أن تقوم بهم أموال الزكوات والنذور والكفارات ... وينفعل كل ذلك ويتأثر بقوة النظام القيمي وفاعليته ، فإذا كان نشطاً اندفع الناس إلى التطوع بكثير من الأعمال الخدمية واندفع كثير من الفقراء إلى العمل والحركة مع حسن التدبير والتعفف عن أموال الآخرين مما يخفف من غلواء الحاجة .

ب- الضبط الاجتماعي في الإسلام يقوم على ركنين أساسيين : الأسرة والمجتمع العام بما فيه من وسائل تثقيف وتعليم ورقابة ... وإن الخلل في أي من هذين الركنين سيؤدي إلى شيوع الخلل في أداء الركن الآخر . وواضح أن مهمة الأسرة أن تصقل الفرد من داخله بما تغرسه من قيم وآداب وبما تخطه في ذهنيته ومشاعره من خطوط عميقة ، كما أن مهمة المجتمع الأرحب القيام بالرقابة على تشجيع القيم الإيجابية وحماية أفراده من السقوط فيما يعتبر أعمالاً مشينة أو مُخلة .
والحالة النموذجية في هذا تتجلى في عموم الإيمان بالقيم والنظم ، وتوحد التربية الفردية مع معايير الضبط الاجتماعي على مقتضى ذلك الإيمان ، فإذا ما افترضنا الاختلاف بين القيم الأسرية والقيم التي يبثها الإعلام أو تلقنها المدرسة أو يشيعها الشارع ، فإن النتيجة هي تمزق شخصية الطفل بين مختلف هذه المؤثرات ، وحينئذ فإن التربية الأسرية تتعرض للخطر من قبل المجتمع الأوسع أو يأتي الخطر مما تواضع عليه من قبلها . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن الطفل يُخفي في البيت ما تلقفه من المدرسة أو الشارع ، ويُخفي فيهما ما لُقنه في البيت ، والنتيجة هي الازدواجية والحيرة وانطفاء الفاعلية ، أي إجهاض عمل الجهات التربوية المختلفة ، وترك الناشئ لموجات الظروف .

ج- الحدود في الإسلام وسائل للردع ، وهي بمثابة العمل الجراحي الذي يأتي ترتيبه في التطبب متأخراً ، وتؤدي الحدود مهماتها في مجتمع تعمل فيه باقي الأنظمة بكفاءة من نحو الاستقرار والعدل وتوفر فرص العمل المناسبة وانعدام المغريات بالفاحشة وانسجام التربية البيتية مع معايير الضبط الاجتماعي وانتشار العلم ... وإذا ما فرضنا وقوع خلل فيما سبق أو بعضه ، فإن كفاءة الحدود في توفير الأمن للمجتمع سوف تتراجع على مقدار القصور الحاصل في الأنظمة الأخرى ، وهذا كله يجعل مسؤولية أمن المجتمع واستقراره مسؤولية عامة يتحملها كل فرد في المجتمع ، كما تتحملها الدولة على مقدار المكنة والتخصص .

4- إذا كانت أنظمة الإسلام متفردة في رؤيتها الكونية وفي منطلقاتها وأهدافها ، فإن مما يضر بتماسكها الداخلي إدخال العناصر البعيدة عن طبيعتها عليها ، وهذا ما يمكن أن نسميه بـ (التلفيق) ، وإن الثقافة الإسلامية تقبل من الجديد ما ينشط وظائفها ، أو يوظف مبادئها ، أو يملأ فراغات وهوامش أوجدتها خاصية المرونة فيها ، فإذا تجاوز الأمر ذلك إلى الجوهر والأنظمة الأساسية ، فإن النتيجة هي ضرب التوازنات العميقة لتلك الثقافة مما يجعلها تنكمش كما هو الكائن الحي حين يُهاجَم وتفرز نوعاً من العطالة الضرورية كيما تحافظ على وجودها وانسجامها .
وإن ثقافتنا الإسلامية تمر بمرحلة عصيبة لا سابق لها في تاريخها المديد حيث يمتلك زمام تثقيف الأمة أناس كثيرون يجهلون ثقافة الأمة ، بل إنهم رضعوا لبان الثقافة المعادية ، ولسنا هنا بصدد بيان ذلك ولا أسبابه ، لكن ما نشاهده اليوم من عمليات التلفيق والتهجين الثقافي كان حصاد مراحل الركود الفكري والحضاري بصورة عامة ، وإذا كان التجديد سنة من سنن الكائن الحي فإنه إذا لم يتوَل التجديد أهله تولاه غيرهم ، فالإنسان بطبعه لا يصبر على طعام واحد ، وهو يستهلك الشعارات والأفكار والنظم الصغرى ، فإذا لم نقم بإثراء ثقافتنا بالدراسات والخبرات وتجديدها وتحريرها من عوادي الانحراف والجمود والتقليد فعل ذلك من لا يُحسنه ، وصار الانسجام والتجديد عبارة عن سمات ظاهرة جوفاء ، أما الجوهر فيشوبه التناقض والتآكل الداخلي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:10

{ وأن تصوموا خير لكم }
كان من منّة الله تعالى على هذه الأمة أن شرع لها من الدين ما يصلح أمر دنياها وآخرتها ، وكان من أهم ما شرعه صوم شهر رمضان المبارك .
والعبادات في الإسلام تكاليف ابتلاء ، ومقياس يكشف عن مدى تمكن الإيمان وألقه في نفس المسلم ، وهي في الوقت ذاته وسائل لتمكين ذلك الإيمان ، إنها له بمثابة الماء للشجر والنبات .

وآيات الصيام لم تعدد لنا أنواع الخيرات التي سنحصل عليها من وراء هذه العبادة ؛ ليظل عطاء هذه العبادة مفتوحاً متنوعاً تظهره التجربة التاريخية الاجتماعية ، والواقع المعاش ، ونستطيع الآن من خلالهما أن نتلمس وجوهاً من ذلك الخير في المفردات التالية :
1- إن الصيام وسيلة فعالة لتربية الإرادة الحرة :
حيث لا توجد عبادة من العبادات تكف المسلم عن شهواته وملذاته مدة متصلة من الزمان كهذه العبادة ، فهي تدريب لإرادة المسلم على مقاومة الأهواء والملذات ومغريات الحياة . والمتأمل فيما يتفاوت فيه الناس في هذا الوجود يجد أن محور التفاوت هو الإرادة لا القدرة ، فالقدرات الفطرية لدى الناس متقاربة لكن تفاوتهم الأساس يكون في مدى صلابة الإرادة التي تُسخّر القدرة وتوجهها والتي تعين على ضبط الوقت ، وتكبح جماح الهوى والركون إلى الدعة وسفاسف الأمور ، ومن هنا فإن الصيام جاء لينمي تلك الإرادة وليُعَودْها التوجه إلى الخير ومقاومة نزوات النفس ؛ ولذا فإن تفريط المسلم في أداء هذه الشعيرة صار لدى العامة من المسلمين مؤشراً إلى نقص في رجولته ، وهذا هو تفسير قيام كثير من المسلمين بالصيام مع تفريطهم في الصلاة ، مع أن أهميتها في الإسلام أعظم ! ويذكر لنا ابن الجوزي (ت 597 هـ) أن هناك صنفاً من الناس لو ضرب بالسياط على أن يفطر رمضان ما أفطره ، ولو ضرب على أن يصلي ما صلى ! وما ذلك إلا لأن الناس عدوا الإفطار نقصاً في الرجولة ، ولم يعدوا الصلاة كذلك ، وقوله سبحانه : ] وأن تصوموا خير لكم [ في أعقاب ذكر الرخصة للمريض والمسافر بالفطر إيماءة للمسلم بأنه من الأفضل له أن يصوم مع المرض المحتمل والسفر غير الشاق ، ليكون في تحقيق إرادته نوع من المكابدة والمعاناة في سبيل الله عز وجل ، وحتى لا يصير بعض الناس إلى إيجاد الرخص والتذرع بها للفرار من الواجبات .

2- الصيام عبادة سلبية ، كيف ؟
فهو امتناع عن أنواع المفطرات ، ومن ثم فإنه بعيد عن الرياء ، وخرق تلك العبادة أمر ميسور في السر لمن أراد ذلك ، ومن هنا فإن صيام رمضان فرصة لتنمية الوازع الداخلي لدى المسلم ، هذا الوازع الذي تعد تنميته محور التربية الفردية الناجحة ، والملموس أن تعاظم هذا الوازع لا يتم إلا من خلال الثقة به والاعتماد عليه في شؤون عديدة ، فهو في ذلك أشبه شيء بعضلات الجسم في أن نموها في استخدامها وتحريكها والاعتماد عليها ؛ ولذا فإننا نرى ضعف الوازع الداخلي لدى أولئك الذين يأتون الفضائل ويقومون بالواجبات من خلال قسر الأبوين أو المجتمع ، فهم يفعلون ما يفعلونه نتيجة ضغط خارجي ، فإذا ما ضعف ذلك الضغط أو تلاشى أتوا من الرذائل والقبائح وأنواع التحلل ما يتناسب طرداً مع حجم الضغوط التي تعرضوا لها فيما مضى ؛ وهذا يجعلنا نساوق بين الرقابة الاجتماعية وتنمية الوازع الداخلي من خلال التربية البيتية القويمة .

3- في الصيام فوائد طبية واقتصادية واضحة :
فهو يخلص الجسم من بعض ما تراكم فيه من الدهون ، ويريح المعدة من العمل الشاق الذي تقوم به على مدار السنة مع فوائد طبية أخرى معروفة .. وفي الصيام توفير إجباري لنحو 40 % من استهلاك الأطعمة والأشربة الذي تعوده الناس في أيام الفطر ، وفي هذا نوع من التعظيم للمالية الإسلامية ونوع من المحافظة على الموارد الغذائية للأمة المسلمة .

4- من خيرات رمضان أنه أضحى ظرفاً لأداء أنواع من القربات لله :
فقد تجاوز صيام هذا الشهر مفهوم التلبس بعبادة من العبادات ليصبح نوعاً من الامتثال لمفردات كثيرة في المنهج الرباني ، ففيه قيام الليل والإكثار من قراءة القرآن والاعتكاف في المساجد ولزوم الجماعات من قبل كثير من المسلمين وإخراج صدقة الفطر والاستبشار بعفو الله وكرمه بما تظهر الأمة من البهجة والسرور في يوم عيدها ، فكأن شهر رمضان مناسبة لازدحام العبادات والقربات في حياة المسلم على نحو لا يتوفر في أي وقت آخر .

5- يمثل الصيام نوعاً من الاتصال والتواصل الاجتماعي :
حيث ترسم الظروف اليومية والمصالح والأوضاع الاجتماعية والطموحات الخاصة مجموعة من الأطياف العازلة لكل إنسان عن غيره مما يؤدي إلى فقد الاتصال أو ضعفه ، وفقد الاتصال في مجتمع ما من أكبر المعوقات له عن النمو والتجانس والصمود في وجه الكوارث وألوان العدوان الخارجي ، ومن ثم فإن امتناع أبناء المجتمع المسلم عن الطعام في وقت واحد مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية وتناولهم له في وقت آخر محدد ، إلى جانب الشعائر الجماعية الأخرى التي تعودها المسلمون في هذا الشهر المبارك من أهم ما يوحد الشعور بالتجانس ، ومن أهم ما يزيل الحواجز التي تولدها الظروف المختلفة .

الصيام اليوم :
إن مهمة المبادئ العليا أن تكيف حياة الناس وتوجهها وفق مضامينها ومعطياتها ، لكن تلك المباديء لا تعمل في فراغ ، وإنما تشتبك مع أمور عديدة من جملتها : العادات الموروثة والظروف الضاغطة والأهواء والشهوات الجامحة والتأويلات والأفهام الخاطئة للمنهج والمباديء ، وهذا كله ينتهي إلى شأن اجتماعي معاش يلخصه ميل الناس بصورة دائمة إلى جعل النهج الرباني جزءاً من ثقافتهم ، وقد يكون جزءاً صلباً ، وقد يكون جزءاً رخواً على مقدار إقبال الناس على الإسلام وهي التي تجعل من المنهج موجهاً للثقافة ومهيمناً عليها . ومن هنا فإن أخطر علل التدين هي تلك التي تصيب الأمة في مكانة منهجها ومبادئها من ثقافتها العامة ، فتكف المبادئ عن توجيه الفعل ، أو تنحرف عن غاياتها ومقاصدها ، فلا تحقق الحكم المقصودة في تشريعها ، ويكون الجهاد الدائم هو محاولة الإبقاء على المنهج الرباني ساطعاً متألقاً متميزاً عما تواطأ عليه الناس من عادات وتقاليد .
ومازال بحمد الله في مجتمعنا المسلم من يحرص على الصيام على الوجه الأكمل ، وهم في تزايد مستمر لكن الأكثرية الكاثرة من هذه الأمة انحرفت بالصيام عن مقاصده التي ذكرنا أهمها آنفاً ، فعلى حين كان السلف يعدون رمضان فرصة سانحة يغتنمونها في صنوف الطاعات ، نجد كثيراً من المسلمين يسهرون الليل في ضروب من اللهو المختلفة حتى إذا اقترب وقت السحر تناولوا ما لذ وطاب من الأطعمة ، ثم ناموا قبل أداء صلاة الفجر ، وإذا كان هذا النائم موظفاً فإن وقت بداية العمل في رمضان يكون متأخراً ، فيقوم متثاقلاً إلى عمله ليكمل نومه هناك ! وإن كان غير موظف فإن رمضان هو شهر النوم عنده فيستغرق في نومه إلى قبيل المغرب ، فيفوت عليه أكثر من فريضة صلاة ! ! ومع هذا فإن الشعار المرفوع لدى كثير من الموظفين هو أن رمضان شهر عبادة وليس شهر عمل (العبادة التي قدمنا صورة منها ! ) .
أما تهذيب النفس من خلال الجوع فحدث عن هذا ولا حرج ، حيث إن التجار يشرعون في الإعداد لمستلزمات رمضان قبل مجيئه بنحو شهرين ، وتقدر بعض الجهات أن ما يستهلكه كثير من المسلمين في رمضان يصل إلى ثلاثة أمثال ما يستهلكونه في غير رمضان ! ! وقد صار رمضان عبئاً ثقيلاً على الحكومات التي توفر السلع المدعومة لمواطنيها !
وقد كان السلف يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، فإذا انصرم دعوا الله ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم أعمالهم في رمضان . أما اليوم فإن كل وسائل الإعلام في العالم الإسلامي تشعر الناس بأن رمضان ضيف ثقيل فكأنه شر لابد منه ، ومن ثم فإن كثيراً من البرامج ينصرف إلى الترفيه عن الناس بما يجوز وما لا يجوز ، وانقلب الشهر المبارك إلى موسم للهو واللعب !
وما يحدث لكثير من المسلمين في هذا الشهر المبارك أمر مفهوم ، حيث إن الأمة حين تمر بحالة من الركود الحضاري تكف مبادئها عن الفعل وتسيطر عليها الشكليات والعادات ، فجيوشها لا تقاتل ، ومبدعوها لا يعرفون والفضائل فيها شعارات ، والعبادات عادات .. وتستمر في ذلك حتى تندثر باعتبارها أمة متميزة أو يبعثها الله بعثاً جديداً يحيي ما اندرس من سابق عهدها ، وما ذلك على الله بعزيز .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:12

{ إن خير من استأجرت القوي الأمين }



قصّ الله جل وعلا علينا خبر موسى مع شعيب عليهما السلام حين جاء مدين ، ووجد ابنتين لشعيب قد منعتا غنمهما من الورود بانتظار ذهاب الرعاء وفراغ المكان ، وما حدث من تطوع موسى بالسقيا لهما ، وما كان من أمر شعيب حين بلغه ما قام به موسى حيث أرسل له يطلبه ليجزيه على ذلك وذكر لنا القرآن الكريم كذلك نصيحة ابنة شعيب لأبيها باستئجاره ، وعللت ذلك بقوة موسى وأمانته ، ويذكر المفسرون أن شعيباً عليه السلام أثارت حفيظته الغيرة من كلامها ، فقال : وما علمك بقوته وأمانته ؟ فذكرت له أن موسى حمل حجراً من فوق فوهة البئر ، لا يحمله في العادة إلا النفر من الناس وتلك قوته ، وأنه حين ذهبت تكلمه أطرق رأسه ، ولم ينظر إليها ، كما أنه أمر المرأة أن تمشي وراءه ، حتى لا تصيب الريح ثيابها فتصف ما لا تحل له رؤيته وتلك أمانته .
وقد صدق حدسها فهي ما رأت إلا نبياً من أولي العزم المؤتمنين على الوحي ، الأشداء الأقوياء ! وقد قيل : إن أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب وصاحب يوسف حين قال ( عسى أن ينفعنا ) [1] ، وأبو بكر حين اختار عمر لإمارة المؤمنين . [2]

وقد جمعت ابنة شعيب عليه السلام في تعليلها المختصر ذاك بين أمرين عظيمين ، ينضوي تحتهما معظم الكمالات الإنسانية ، وهما الأمانة والقوة ، وهذه وقفات سريعة معهما :

1- ليست الأمانة هنا إلا رمزاً لما يستلزمه الإيمان بالله تعالى من المحامد كالإخلاص والأمانة والصدق والصبر والمروءة ، وأداء الفرائض والكف عن المحرمات ؛ وقد قال أكثر المفسرين في قوله سبحانه : { إنا عرضنا الأمانة } [3] الآية : إن المراد بها التكاليف الشرعية عامة [4] ، وقد وصفت ابنة شعيب موسى بالأمانة لغضه طرفه ، ومشيه أمامها .
أما القوة فهي رمز لمجموع الإمكانات المادية والمعنوية التي يتمتع بها الإنسان.

2- الأمانة والقوة ليستا شيئين متوازيين دائماً ، فقد يتحدان ، وقد يتقاطعان فالصبر جزء من الأمانة ؛ لأنه قيمة من القيم ، وهو في ذات الوقت قوة نفسية إرادية ، وإذا كان العلم من جنس القوة ، فإنه يولد نوعاً من الأمانة ؛ إذ أهله أولى الناس بخشية الله ، { إنما يخشى اللهّ من عباده العلماء } [5] والإيمان أجل القيم الإسلامية ، فهو من جنس الأمانة ، ومع ذلك فإنه يولد لدى الفرد طاقة روحية هائلة تجعله يصمد أمام الشدائد صمود الجبال ، ومن ثم كانت الظاهرة الإسلامية العالمية :
ظاهرة ( المسلم لا ينتحر ) ! . إن هذا التلاقي بين الأمانة والقوة يمثل بعض الأرضية المشتركة لتلاقي أهل الأمانة وأهل القوة ، كما يجعل التحقق من إحداهما المعبر للتحقق من الأخرى .

3- سوف يظل النمط الذي يجمع بين القوة والأمانة نادراً في بني الإنسان وكلما اقتربا من الكمال في شخص صار وجوده أكثر ندرة ، والقوي الذي لا يؤتمن ، والموثوق العاجز هم أكثر الناس ، والذين فيهم شيء من القوة وشيء من الأمانة كثيرون ، وقد روي عن عمر رضي الله عنه : » أشكو إلى الله جَلَد الفاجر وعجز الثقة ، فكل منهما لا يمثل المسلم المطلوب ، ودخل عمر أيضاً على لفيف من الصحابة في مجلس لهم فوجدهم يتمنون ضروباً من الخير ، فقال : أما أنا فأتمنى أن يكون لي ملء هذا البيت من أمثال سعيد بن عامر الجمحي ، فأستعين بهم على أمور المسلمين ! .


4- العمل المقبول في المعايير الإسلامية هو ما توفر فيه الإخلاص والصواب والإخلاص ضرب من الأمانة ، والصواب وهو هنا موافقة الشريعة ضرب من القوة ، هذا بصورة عامة ، لكن في أحيان كثيرة يكون ما يطلب من أحدهما أكثر مما يطلب من الآخر ؛ فالثواب يتعلق بالإخلاص أكثر من تعلقه بالصواب ، فالمجتهد المؤهل ينال أجراً إذا استفرغ وسعه وإن كان اجتهاده خاطئاً ، لكن لا ثواب ألبتة على عمل لا يراد به وجه الله تعالى ، أما النجاح والوصول إلى الأهداف المرسومة في الدنيا فإنه مرتبط بالصواب أكثر من ارتباطه بالإخلاص ، فكم من مؤسسة يديرها أكفاء ليس عندهم شيء من الأمانة ، ثم حققت أهدافها المادية كاملة وكم من مؤسسة أدارها أخيار غير مؤهلين ، فأعلنت إفلاسها !
وقد ذكر ابن خلدون أن للناس مذهبين في استخدام الأكفاء غير الثقات وتقديمهم على الثقات غير الأكفاء ، واختار هو استخدام غير الثقات إذا كانوا مؤهلين ؛ لأن بالإمكان وضع بعض التدابير التي تحد من سرقاتهم أما إذا كان المستخدم لا يحسن شيئاً فماذا نعمل به ؟ ! [6]
وقد ولى النبي -صلى الله عليه وسلم-أهل الكفاية الحربية مع أن في الصحابة من هم أتقى منهم وأورع ؛ لأن القوة (البسالة وحسن التخطيط) تطلب في قيادة الجيش أكثر من الأمانة ، مع أنهم كانوا بكل المقاييس من الأمناء الأخيار وطلب بعض الصحابة ممن عرفوا بالزهادة والورع الولاية على بعض أمور المسلمين فحجبها عنهم لضعفهم .

5- نحن في مراجعة أخطائنا نركز على جانب الأمانة ، ونهمل جانب القوة فإذا ما أخفقنا في عمل ما قلنا نحن بحاجة إلى تقوى وإخلاص ، وإن اتباع الأهواء هو السبب في ذلك ، ولا ريب أن الإخلاص مفتاح القبول والتوفيق وأن التقوى تستنزل الفرج ، لكن ما هي المعايير التي تمكننا من قياس درجة التقوى ومقدار الإخلاص الموجود إذا ما أردنا التحقق منه وكيف نستطيع التفريق بين عمل دفع إليه الهوى وآخر دفع إليه الاجتهاد ؟ ! كل ذلك مما يستحيل قياسة ، وبالتالي فإنه لا يمكن تحديده وما لا يمكن تحديده لا يصلح لأن يكون هدفاً .
وبإمكان الناس أن يقولوا : إلى ما شاء الله نحن أتباع هوى دون أن تستطيع أن ترد على أحد منهم رداً شافياً قاطعاً ! على حين أن قياس القوة ممكن ، وإدراك الخلل فيها يكون عادة ظاهراً يمكن وضع الإصبع عليه فحين يأتي خطيب ليتولى إدارة جيش ، أو التخطيط لمعركة ، وحين يتولى رسم سياسات العمل رجلٌ لا يعرف الواقع ، فلا يقرأ جريدة ولا يستمع إلى نشرة أخبار ، ولا يحسن قراءة أي شيء يحيط به ، فإن الخلل لا يحتاج إذ ذاك إلى شرح حيث تتولى شرحه النتائج ! . وحين يتصدى للاجتهاد في أمور خطيرة أشخاص لا يملكون الحد الأدنى من المعلومات حولها ، وتترتب على اجتهاداتهم فواجع أكبر من أي جريمة ماذا تكون الحال ؟ !
لقد آن الأوان لوضع الأمور في نصابها ، بتأهيل الشخص قبل إيجاد العمل الذي سيعمله ، بدلاً أن يوجد المنصب ثم يبحث عمن يسد الفراغ ليس أكثر !

6- عالمنا الإسلامي النموذج المثالي للقوى الكامنة ، فكل ما عندنا (خام) الإنسان والطبيعة والموارد ، ولعل لله في ذلك حكمة بالغة ؛ إذ أن تشكيل الإنسان المسلم لو تم قبل بزوغ الصحوة المباركة لكان أكثر ضرراً من بقائه على حاله .
هذه القوى الكامنة ستظل ثغرات في حياتنا أياً كان موقعها في ظل التكالب العالمي على الصعيد الثقافي والاقتصادي ، وهذه القوى الكامنة تحتاج إلى تفجير وإلى إخراج في شكل جديد يمنحها وزنها الحقيقي وإخراج القوة مهمة الدولة أولاً ؛ فهي المسؤولة عن تفجير الطاقات كافة وتوجيهها ، ومهمة صفوة الصفوة من صانعي المبادرات الخيّرة ، الذين يمتد بصرهم دائماً إلى مستوى أعلى من المستوى الذي تعيش فيه أمتهم فيوجدون باستمرار الأفكار والأطر والأجواء والآليات التي تُفَعّل القوى الخامدة المجهولة للناس حتى حامليها .
واليهود هم من أساتذة العالم في (إخراج القوة) وتوظيفها واستغلالها وصحيح أن ديننا يحول بيننا وبين وسائل كثيرة استخدموها حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه ، لكنني أعتقد أنه مازال في هذا العالم مكان فسيح للمسلم المبصر الأريب ..
وقد بدأت الأمة في امتلاك القوة ، وبدأ المارد الذي نام قروناً يصحو وهو الآن يتفقد أعضاءه وحواسه ، ويحاول أن يتعلم المشي في (حارة) الكرة الأرضية ، لكن بعضاً منا بدؤوا يخبطون يمنة ويسرة قبل أن يفتحوا عيونهم وقبل أن يعقلوا الأجواء التي يصحون فيها ؛ ليغروا العدو بتوجيه الرصاصة القاتلة قبل أن يقفوا على أقدامهم ! .
إن فهم الحياة المعاصرة شرط أساسي يجب توفيره عند كل أولئك الذين يريدون توجيهها والتأثير فيها ، ولن يكون ذلك ممكناً ما لم نكن نحن من صانعي قراراتها وخياراتها ..

7- الأمانة قيد على القوة ، فهي التي تحدد مجالات استخدامها وكيفياته والقوة الآن في يد الآخرين على ما نعرف ، والقيود الأخلاقية عندهم آخذة في الضعف يوماً بعد يوم ؛ لأنها لا تعتمد على إطار مرجعي أعلى يمنحها الثبات ومن ثم فإن القوة ليست في طريقها إلى الانطلاق من أي ضابط أو حسيب ، لكنها في طريقها إلى صنع قيودها بنفسها الصناعة التي تمكنها من مزيد من الانطلاق ، وهي بذلك تجعل الآخرين يتوهمون أنها قيود ؛ حتى لا يشعر أحد أن هناك فراغاً أخلاقياً يجب ملؤه ! وما النظام العالمي الجديد سوى الأحرف الأولى في أبجديات القيود الجديدة ! .
وهذا يوجب علينا المزيد من التفكير والتأمل فيما يجب عمله ، ونحن مع ضعفنا قادرون في هذا المضمار على عمل الكثير الكثير إذا فهمنا لغة العصر ، وأحسنا إدارة الصراع ؛ إننا نملك القيود (الأمانة) ، وهم يملكون القوة ، فهل نسعى إلى امتلاك القوة المقيدة حتى يصطلي العالم بالنار دون أن يحترق ؟ ؟
________________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:16

{ وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ }




أنزل الله - جلَّ وعلا - في المنافقين سورة سُميت باسمهم ، تفضح بعض مواقفهم ، وتُخبر عن بعض صفاتهم ، وكان من جملة ما
نَعَتَهُمْ الله تعالى به قوله : { وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [1] .
فقد وصفهم الله - تعالى - بأن الناظر إليهم يُعجبُ بجمال أجسامهم ، ومن يسمعهم يُؤخذ بفصاحة ألسنتهم ، لكنهم كالهياكل الفارغة ، أشباح بلا أرواح ، وأجسام بلا أحلام ...
وهذه الصفات تتناسب مع حالة النفاق ، إذ إن ظاهر المنافق دائماً خير من باطنه ، فظاهره الإيمان ، وباطنه الكفر ، وهو ذلق اللسان ، لكنه يقول غير ما يعتقد ؛ فهو كذاب ، وهو جميل الصورة ، لكنه عاطل من الصفات النبيلة كالإيمان والمروءة والرجولة ، وكل ما يزين الباطن .
وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : » كان عبد الله ابن أُبي (رأسُ النفاق) وسيماً جسيما صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان ، فإذا قال سمع النبي - صلى الله عليه وسلم- مقالته « [2] .
ولمّا كان للظاهر سلطانه القوي في التأثير ، وانتزاع الإعجاب علَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- أصحابه ضرورة تجاوزه إلى المعاني الباطنية ؛ لأنها هي الفيصل الحقيقي في تقييم الرجال ؛ وقد ورد في الحديث الصحيح : أن رجلاً مرَّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : ما تقولون في هذا ؟ « قالوا : حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع يُشفع ، وإن قال أن يُستمع إليه « قالوا : » حريٌّ إن خطب ألا يُنكح ، وإن شفع ألا يُشفَّع ، وإن قال ألا يُستمع إليه « ثم مر رجل آخر ، فقال : » ما تقولون في هذا « . فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : » هذا خير من ملء الأرض مثل هذا [3] ففضَّل النبي صلى الله عليه وسلم الفقير على الغني ، وذلك لا يلزم منه تفضيل كل فقير على كل غني ، إنما أراد أن يعلمهم أن التفاضل لا يقوم أبداً إلا على المعاني الباطنية ، وما يتبعها من أعمال .
وتطرح هذه الآية الكريمة مسألة خطيرة في حياة الإنسانية بعامة وحياة المسلمين بخاصة ، هي قضية العلاقة بين الشكل والمضمون ، أو الجوهر والمظهر [4] .
ونعني بالجوهر ابتداءً : مجموع الخصائص الخُلُقِيَّة والنفسية . والصور الذهنية ، والخبرات والموازنات العميقة للفرد .
أما المظهر : فإنه مجموع ما يحمله الفرد من الصفات الجسمية ، وما يمتلكه من الأشياء ، وما يتحمله من وظائف ، مما لا يعد على صلة مباشرة بكينونته الذاتية .
في البداية ليس الجوهر والمظهر شيئين منفصلين انفصالاً تاماً ، بل بينهما علاقة تأثر وتأثير وأخذ وعطاء ، وقد ورد ما يدل على هذا فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمسح مناكب أصحابه في الصلاة ، ويقول : » استووا ، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم « [5] . والمرء حين ينشرح صدره يظهر ذلك على مُحيّاه ، ومن ثم قيل : » من كثرت صلاته بالليل ضاء وجهه في النهار « .
وإذا كان بين الظاهر والباطن مثل هذا التجاذب والتلازم فإن من البدهي ألا يزهِّد الإسلام الناس في الشكل ؛ فالصلاة موقف روحي بحت ، ومع ذلك حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على انتظام الصفوف فيها ، والأمر قريب من ذلك في صفوف القتال .
وحث الإسلام على النظافة ، كما امتنَّ الله - تعالى - علينا بما نشعر به من التأنق عند غدوِّ الأنعام ورواحها ، كما قال سبحانه : { ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ } [6] ، وتلك مسألة شكلية . والأمثلة على هذا أكثر من أن تُحصى .

إذن ما هي المشكلة ؟
تكمن المشكلة في اختلال التوازن بين الجوهر والمظهر ، أو بين المضمون والشكل ؛ فالبشر متفقون على أن اللباب هو الأصل ، وأنه ينبغي أن يُعطي من الاهتمام والعناية والبلورة القسط الأكبر لأن كل الإنجازات الحقيقية التي تتم على السطح نابعة أساساً من إنجازات تمت على مستوى الكينونة والجوهر . وهذا يتناسب مع حقيقة تسخير الكون الذي حبا الله - تعالى - به الإنسان ؛ كيما يظل حراً طليقاً يحكم ويأمر دون أن يُكَبَّل ! بشيء من صنع يديه !
وللمجتمع وما يقره من أعراف سلطانٌ كبير على الناس ، ولما كان الحكم الاجتماعي منصباً على الشكل كان الانحدار نحو الاهتمام بالشكل هو الأمر الطبيعي المتبادر إليه ، أما العناية بالجوهر فيمكن أن تنمو عن طريق التربية الخاصة في الأسرة أو المدرسة ، لكن ذلك سيظل ضعيف التأثير ما لم يكن المجتمع كله خاضعاً لمبادئ عليا خارجة عن إنتاجه ، ولن يكون مصدر تلك المبادئ حينئذ الأرض ، وإنما السماء ! لكن حين يكون الدين عبارة عن بعض الرؤى الغيبية ، أو الدغدغات العاطفية - كما هو الشأن عند بعض الملل - فإنه لا يضع شيئاً في مواجهة التيارات الاجتماعية العاتية ؛ لأنه لا يعدو آنذاك أن يكون عنصراً رخواً من عناصر الثقافة !
وإن الذين الذي يوجِّه ويقاوم هو الذي نُمحِّص حياتنا من أجله !
وحينما يضعف الوازع الديني لدى المسلم فإن الميزان يميل مباشرة لصالح المظهر . وبما أننا نعيش في عصر نتأثر فيه أكثر مما نؤثر فقد أضيف إلى ضعف الوازع الديني عند أكثر الناس الوقوع تحت تأثير الفلسفة الغربية في جوانب الحياة المختلفة ، تلك الفلسفة التي شكَّلت من الإنتاج غير المحدود والحرية غير المحدودة والسعادة غير المتناهية ديناً جديداً اسمه التقدم ! واقتضى ذلك توجهاً كلياً نحو الطبيعة لاستثمار كل شيء فيها ! ثم استهلاكه بصورة جشعة لم يسبق لها مثيل ناسين أن موارد الطبيعة محدودة ، وأن الطبيعة . سوف ترد على ذلك ، بل إنها بدأت بالرد فعلاً !
وعلى صعيد الرمز فقد كان البطل المسيحي يستوحي شخصية الشهيد ، وهو عيسى - عليه السلام - حيث وهب حياته من أجل غيره - حين صلب كما يزعمون - ، ثم انقلبت الأمور رأساً على عقب ، حيث صار العالم الغربي يستوحي شخصية البطل الوثني ، كما يتجسد في أبطال الإغريق والرومان ، ذلك البطل الذي يغزو ، وينتصر ، ويدمر ، ويسرق ، وينهب . وشتان ما بين شخصية الشهيد الذي يهب حياته من أجل غيره ، وبين المقاتل الذي غايته السيطرة على الآخرين وتضخيم الحياة الشخصية ! ! 12
وكانت النتيجة ولادة مجتمعات تعاني من الوحدة ، والقلق ، والاكتئاب ، والنزوع التدميري ، والخوف من المستقبل ، والأنانية الشخصية ، والتفكك الأسري...
تأثرنا - نحن المسلمين - بهذا كله من حيث ندري ، ولا ندري ، وتوجهت قوانا الفاعلة نحو الخارج ، وأهملنا الجوهر ، وكانت حالتنا في بعض النواحي أسوأ ممن تأثرنا بهم ؛ لأن القوم صاروا إلى الشكل بعد أن حققوا ذواتهم بطريقة فعَّالة وإن كان انحرافها يحمل في النهاية بذرة موتها ؛ أما نحن فقد غادرنا الجوهر لغمر أنفسنا بالشكليات !

والناظر في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والحياة العامة لصحابته - رضوان الله عليهم - يجد أن السيطرة كانت للكينونة الداخلية ، وليس لما يمتلكه الناس من أشياء ؛ لأن المحور الأساسي للحياة الاجتماعية كان الإنسان ، وليس الأشياء ؛ أما الآن فقد صارت (الملكية) هي المحور ، ويتجلى ذلك واضحاً في أمور عديدة منها :
1 - تناقصت الألفاظ المستعملة في الدلالة على الجوهر ، في حين زاد تداول الألفاظ الدالة على الأشياء ، فحديث المجالس لم يعد يتمحور حول البطولات ، والإنجازات ، والمواقف الكريمة ، والصفات الحميدة ، وإنما حول العقارات ، والسيارات ، وأسعار السلع ، وأثاث البيوت ، والأرصدة المالية ...

2 - الرغبة في مزيد من الإنتاج لتحقيق مزيد من الاستهلاك جعل اعتماد الناس على الآلة يتزايد يوماً بعد يوم ، وصار الإنسان ترساً من تروسها ، وصار دوره مكملاً لدورها ؛ ومن طبيعة هذا الشأن أن يزيد اهتمامنا بالمظاهر ، ويشغلنا عن الحقائق .

3 - كانت قيمة وجود الإنسان مستمدة مما يُحسن ويتقن ، وصارت المعادلة الجديدة : قيمة وجودي مستمدة من مقدار ما أملك ، ومقدار ما أستهلكُ ! وهذا ولَّد الخوف الدائم من ذهاب الملكية ؛ لأن ذهابها ذهاب لمالكها ؛ واقتضى ذلك مزيداً من الشح والأثرة والتقاطع ...

4 - علاقتنا بالمعرفة تبدلت ؛ فقد كان حب العلم واكتساب المعرفة من أجل الفقه في الدين وتنمية الشخصية ومعرفة الحياة ... وكانت العملية التعليمية عبارة عن اندماج بين العلم وطالبه ، أما الآن فقد صارت علاقة طالب العلم بما يطلب علاقة تجارية بحتة ، فهو يتعلم لينال الشهادة ؛ وحفظه للمعلومات ظاهري ينتهي عند إفراغها على الورق في الامتحان !

5 - السمات الأساسية للجوهر هي : الاستقلالية ، والحرية ، وحضور العقل النقدي ، والاستخدام المثمر للطاقة الإنسانية ، والنمو ، والتدفق ، لكن العلاقات الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية الجديدة جعلت أنشطة الإنسان عبارة عن انشغال دائم مفصول تماماً عن قواه الروحية ، بل يقف ضدها ، ويحد من فاعليتها في كثير من الأحيان ؛ مما أدى إلى الاتكالية والسأم والتذمر ، وجعل الحياة تفقد طعمها الحقيقي بشكل عام .

6 - كانت عواقب الاتجاه إلى الشكل والتغافل عن المضمون كثرَة اللذائذ وانعدام السعادة ! واللذة إشباع الرغبة على نحو لا يتطلب نشاطاً ، مثل لذة الحصول على مزيد من الربح ، أو هي : تجربة لحظة من لحظات الذروة يعقبها في الغالب نوع من الكآبة ، ولا سيما حين تكون غير مشروعة ، حيث يبدأ التقريع الداخلي .
أما السعادة فهي : شعور مصاحب للنشاط الإنساني ؛ وهي أقرب إلى أن تكون حالة من الوجود المتصل على ربوة رحبة ؛ لأنها وهجٌ لكينونة الإنسان ، ونشاطه الداخلي .
ويمكن القول : إن السعادة في مقياسنا الإسلامي تتعاظم كلما ردم المسلم من الفجوة القائمة بين معتقداته وسلوكياته ، حيث يرضى المسلم عن أدائه ، ويستشرف عاقبة المتقين .
كل هذه التحولات باتجاه الشكليات جعلت كثيراً من أمة الإسلام قوة عددية ليس إلا ؛ لأن الذي يفقد الصلة بمكوناته الأساسية لابد أن يصبح شكلياً . فهل تعيد الصحوة المباركة الأمر إلى نصابه بإعادة التوازن من جديد بين الشكل والمضمون ، والجوهر والمظهر لنستأنف رسالتنا الحضارية ؟ ! هذا ما نرجوه . وعلى الله قصد السبيل .

________________________
(1) المنافقون : 4 .
(2) تفسير القرطبي 18 / 124 .
(3) أخرجه البخاري .
(4) ننصح بالرجوع إلى كتاب الإنسان بين الجوهر والمظهر الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة في الكويت وقد أفدت منه هنا في
بعض ما كتبت .
(5) أخرجه مسلم وغيره .
(6) النحل : 6 ومثل هذا قوله سبحانه : [ والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً ] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:22

{ إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ }
أ.د. عبدالكريم بكار


أكرم الله - سبحانه وتعالى - الخلق ، فأرسل لهم الرسل تترى حتى تظل أعلام الهداية منشورة ، وحتى لا يكون لأحد على الله حجة بعد إرسال الرسل . وينقسم الناس أزاء كل رسالة في العادة إلى فريقين فريق يصدق ، وفريق يكذِّب ، وكانت حجة المكذبين الجاحدين ما حكى الله عنهم : { وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } [الزخرف 23- 24] .
وظاهر هذه الآية أن الرؤساء والوجهاء والمترفين هم - في الغالب - الذين قاوموا دعوات الرسل ؛ لأن أية رسالة ستحدث تغييراً في القيم السائدة والأحوال المعاشة ، وهذا التغيير سيمس مصالحهم ومكاسبهم ، ومن ثَمَّ فإن موقفهم هو التأبي والمعاندة . وبما أن الحياة الجمعية لا يمكن أن تستقيم ، وتنتظم من غير ضوابط عرفية تؤمِّن نوعاً من التعاون ، وتَحُوْل دون بغي الخلطاء على بعضهم بعضاً كان الجواب دائماً : أن ما تقوم عليه حياتهم الاجتماعية هو ما وَرِثوه عن آبائهم وأجدادهم من الأعراف والعادات والتقاليد ، وما حياتهم إلا استمراراً لحياة سلفهم الذين يفاخرون بهم .
والخلف لا يكتفي عادة بالتلقي الأصمّ عن السلف لكنه ينشئ من الفلسفات والمقولات والخرافات ما يمنح ما ورثه - من تقاليد - القداسة والاحترام مما يجعلها محوراً للمنظومات العقدية والفكرية والرمزية والتاريخية ! وهذا كله طبيعي ؛ لأنه في حالة اندراس معالم المنهج تصبح السوابق التاريخية هي المنهج ، ومن ثم كان من مهمات المصلحين وضع السوابق التاريخية في إطارها الصحيح .

ماذا تعني الآبائية ؟
ليس كل ما يرثه المرء عن آبائه وأجداده رديئاً - لأنه لا يوجد جيل مختص بالرذائل - لكن الرديء هو أن نفقد القدرة على الحكم على تلك الموروثات ، ونُحلها محلَّ القبول والاقتداء ! وإذا تأملنا قضية التقاليد الموروثة وقبولها دون تبصُّر ولا تمييز وجدنا أنها تعني أموراً عديدة منها :
- إن الإنسان قادر على امتلاك منهج يُسَيِّر حياته من خلال خبرته التراثية دون مرشد خارج عن حدود ذاته ، وهذا ما نجده واضحاً في جواب المترفين للرسل حين قالوا لهم : { أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ؟ } [الزخرف 24] ، وكان الجواب : { إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } [الزخرف 24] . وفي هذا الجواب القاطع الخالي من أي تدليل أو برهان توصيف آخر للآبائية هو أن التقليد وإن بنى حوله بعض الفلسفات التسويغية إلا أنه يظل مع الدليل والبرهان على طرفي نقيض ، فهو ظاهرة لا دليل لها سوى وجودها فحسب !
ومما تعنيه الآبائية أن البشر امتلكوا ناصية الحقيقة كاملة فيما يتعلق بشؤون حياتهم الاجتماعية . والشعور بامتلاك الحقيقة مع أنه غير صحيح إلا أنه يدفع إلى الجمود ؛ لأن حركة الفكر والعلم لا تنشط إلا عند الإحساس بأن هناك حقائق خافية أو مشكلات تحتاج إلى حل . ومن هنا كانت متابعة الآباء والأجداد من غير ميزان عبارة عن حركة إلى الوراء تصادم منطق التاريخ ، وتجعل أصحابها مخلفين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ! وإذا كان المنهج الحق يسعى إلى تجديد ذوات معتنقيه ونقدها واستيعاب العظات والعبر من حياة الأولين فإن الآبائية تعني تعطيل تراكم الخبرة البشرية وتقويمها ؛ لأن ذلك يخلُّ بالمكانة التي أنزلوا آباءهم فيها !
وتعني الآبائية أيضاً إحالة العادات والأخلاق إلى إطار مرجعي لا منطقي ومتحجّر ، يحكم الناس في حالات اجتماعهم ، ويتيح لهم الانطلاق الحر في خلواتهم ، أي : يؤسِّس الحياة على نوع من الازدواجية ، على حين أن الدين يجعل الوازع الداخلي أساساً للانضباط الفردي والجماعي . وإن التفسير المستمر في كل شؤون الحياة يجعل تقليد الآباء فارغاً من مضامينه في أحيان كثيرة ، فإذا كان الآباء يتقلدون السيف - مثلاً - لمواجة حيوان مفترس ، فما معنى حمل الأبناء له وهم يركبون الطائرة ؟ ! وإن الآبائية بعد هذا أو ذاك توجد نوعاً من الانحباس الاجتماعي المصادم لسنّة التغيير التي بثها الله - تعالى - في الكون ، ومن ثَمَّ فإن الانغلاق على مواريث بالية لابد أن يعقبه انفلات غير متزن يطيح بصالح الموروثات وطالحها .

المصلحون والآبائية :
لا نبعد النجعة إذا قلنا : إن الآبائية هي أخطر مشكلة واجهت الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وتواجه أتباعهم من المصلحين على مدار التاريخ حيث تمتلئ الساحة الاجتماعية بتركة الآباء ومخلفات الأجداد مما يجعلهم يحتاجون إلى تزييف الموروثات أولاً ، ثم إحلال المنهج الرباني محلها . وإن حملة الهدى الرباني يصطدمون بالآبائيين صداماً مباشراً حيث يرون أن ما بأيديهم من الهدى يجعل التراث مملوكاً خاضعاً للمحاكمة على حين يرى الآبائيون أن التراث هو مالكهم والقاضي في حياتهم لا المتهم !

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل بإمكان البشر الفرار من الارتهان للماضي بدون منهج منفصل عن خبرة الإنسان ، أي : لا زماني ؟ الواضح أن ذلك غير ممكن ؛ لأننا باعتبارٍ ما جزء من الماضي ومكوناتنا الثقافية أكثرها موروث ، فنقده وتجاوزه بمبادئ وأدوات منه غير ممكن . ونحن حينئذ كالجرَّاح الذي مهما كان ماهراً فإنه عاجز عن استئصال زائدته أو مرارته بنفسه ! وعلى المهتمين بصلاح الأمة الغيورين على مستقبلها أن يخوضوا معركتين في آن واحد : معركة الحياة العامة وتنقيتها من الرواسب والشوائب التي تولدها حركة الأيام ، ومعركة داخلية في مجال الحياة الفكرية ، وما فيها من مشكلات التجديد والتقليد والاجتهاد وحدود سلطان العقل والنقل الخ ..

إن معالم المعركة الأولى تتمحور حول (مفاصل) التقاليد والسنن والتوزيع الصحيح للاهتمام بمفرادت التكاليف الشرعية ، وما يتصل بها مما يحفظ كيان الأمة . وعلى هذا الصعيد نلاحظ أن المسلمين منتشرون في بقاع الأرض ؛ ولذا فإنهم يعيشون في ظروف شديدة الاختلاف تؤدي إلى تفاوت عظيم في معرفتهم بالدين ، كما أن الثقافات الأجنبية التي تأثروا بها مختلفة أيضاً ، والمؤثرات المدرسية والمناهجية التي تعرضوا لها متفاوتة ، وهذا كله يجعل إمكانات إقامة التوازن بين متطلبات الدين ومتطلبات الدنيا مختلفة ، كما يجعل تحرير الخلاف وترجيح الصواب مختلفاً أيضاً ! ولا ننسى في هذا السياق الآثار الكثيرة التي تتركها توجهات الحكومات المختلفة في إبراز أجزاء من الدين وضمور أجزاء أخرى بحسب المصلحة !

ونستطيع القول : إنه كلما خمدت حركة الفقه في دين الله ، زحفت العادات والتقاليد والبدع لتحل مكانه في حياة الناس ، ذلك لأن من شأن البشر أن يجعلوا الدين - الذي هو منهج رباني مطلق فوق الزمان والمكان - واحداً من عناصر ثقافتهم بدل أن يكون الموجّه لتلك الثقافة والحاكم عليها ، وذلك ميسور عليهم ولا سيما حين تكون هناك بعض الملابسات بين العادات وحقائق الدين في الكُنْهِ أو المظهر ، وقد ذكر ابن الجوزي - رحمه الله - " أن من الناس من لو جلدته حتى يصلي ما فعل ، ولو جلدته حتى يفطر رمضان ما فعل ! " مع أن أهمية الصلاة أعظم . وفي زمننا صار إنكار الناس لتعدد الزوجات في كثير من بلاد المسلمين أعظم من إنكارهم للزنا ! كما صار هناك استغراب من إقبال الشباب على المساجد لأن المساجد خُلقت لمن أكل الدهر عليهم وشرب ، على ما تعودوه في عقود مضت . وفي زماننا تُشْتَنْكَرُ الفاحشة من البنات ويغضُّ الناس الطرف عنها إذا وقعت من الرجال ولا سيما الشباب ! !

وفي زماننا يُتَّخذ الاهتمام بليلة القدر والمولد النبوي وليلة النصف من شعبان وإغراق الأسواق بالسلع في رمضان قناعاً وستاراً مشهوداً ومن خلف الستار لضرب ركائز الإسلام ومبادئه الكبرى وجعل الداعين إليها غلاة متشددين إرهابيين ! !
ويزداد الطين بلة حين يُسهم في هذا الخلل أشخاص تثق بهم العامة لما عندهم من العلم والتقوى . والعامة غير قادرين على مناقشة الأفكار ولا التمييز بين الأدلة ؛ مما يجعلهم تبعا للأعلى صوتاً والأكثر تابعاً . وهذا كله يجعل مسألة تحجيم الآبائية أكثر صعوبة وتكلفة . لكن لا خيار : فإما المنهج وإما المنهج ، وإلا فكيف يكون خلود الرسالة ، وكيف تستمر أنوار النبوة في العالمين ؟ !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:27

المعركة الثانية لا تبتعد في منطلقاتها وعقابيلها [*] عن المعركة الأولى ؛ إذ أنّ تقديس القديم لمجرد أنه قديم هو الطاقة المحركة لأبطالهما ، لكن الخصوم يختلفون فإذا كان الخصوم في معركة الحياة الاجتماعية من العامة والدهماء وأنصاف المتنورين فهم في الثانية ممن يحمل العلم ، ويحسب نفسه من المصلحين - وقد يكون كذلك - لكن بُنَى ثقافتهِ العميقة لا تختلف كثيراً عما لدى العامة !
هذه المعركة هي معركة الاجتهاد والتقليد ، والاجتهاد هو بذل الجهد لمد سلطان النصوص إلى كلّ الحوادث والحالة المستجدة المشابهة في علة الحكم لحالات ورود النص وتطبيقاته لدى السلف ، على حين أن التقليد يحجم من فاعلية النصوص ، ويجعل مجالات الاهتداء بها تتضاءل يوماً بعد يوم ؟ ذلك لأن أية مرحلة سابقة لا تَتَّسِع في تنظيماتها وآلياتها ومعطياتها الجزئية لمرحلة لاحقة ، وهذا ما دعا الصحابة والتابعين من بعدهم إلى الاجتهاد ، وهو ما يدعونا أيضاً إليه .
لعل نقطة الخلاف الأساسية ليست في تجويز الاجتهاد والتقليد لشرائح محددة من الأمة ، وإنما تكمُنُ في نزع (صفة دوام الصواب) عن المجتهد ، ومع أن الجميع يُصَرِّحون بأن المجتهد يُخطئ ويُصيب ، إلا أننا نجد في الممارسة العملية مواقف لا تحصى لا تدلّ إلا على اعتقاد أصحابها العصمة في بعض الأئمة والمجتهدين لاعتقادهم أن إحاطة أولئك الأئمة بالأدلة وَحِدَّةِ ذكائهم وفهمهم مع ما أكرمهم الله به من التوفيق يجعل وقوع الخطأ منهم نادراً أو معدوماً ! وقد رأينا كثيراً من طلاب العلم يلتزم الواحد منهم مذهباً واحداً في كل دقائقه ، ويحاول الدفاع عن ذلك بكل ما أوتي من قوة ، ويوالي ويُعادي في ذلك ، ويخسر إخوة في الله ، وهو يظنّ أنه يخوض معركةً لِنُصرة دين الله !

وهذا يدل على جهلٍ فاضح في العملية الاجتهادية المعقَّدة ، والتي تلتحم فيها عناصر أربعة ، هي مجال رحب ، للاختلاف بين المجتهدين ، هذه العناصر هي :
الإمكانات الذهنية التي أكرمنا الله بها والنصوص والأدلة المتعلقة بالقضية موضع الاجتهاد والخلفية الثقافية للمجتهد (وهي ما كان يُسْمّى بالأهلية) بالإضافة إلى الواقعة نفسها والظروف والخلفيات المحيطة بها . وتَمَكُّنُ المجتهدين من كل ذلك متفاوت إلى حدًّ بعيد ، وهذا كله ينفي عن المجتهد دوام الصواب في كلّ ما ينظر فيه . وأن من المفيد أن ننظر إلى المجتهد بعيون أبناء زمانه حيث تخلصوا من وَهْمِ التقديس بسبب من المعاصرة والمعاشرة ومعرفة الخفايا والإمكانات لبعضهم بعضاً .

إننا إذا لم نتمكن من التجديد الذاتي فسنعرِّض أنفسنا إلى غزو من الخارج ، أو انحباسٍ داخلي يعقبه انفجار لا ينبع معه الترقيع ! وإن تجاوزنا المعطيات مراحل عديدة في حياة المتقدمين لنلتصق بالادلة في إطارٍ من مقاصد الشريعة العامة أمر حيوي للغاية ؛ حتى لا نقعَ ضحيةً للغرق في مراحل الانحطاط والتدهور التي مرت بها هذه الأمة في قرونها المتأخرة ! وعلى الله قصد السبيل .

________________________
(*) العقابيل : الدواهي .

(وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)






قصّ الله - تعالى- علينا في كتابه العزيز نبأ لقاء موسى بالعبد الصالح الخضر -عليهما السلام- ، وما جرى بينهما من إخبار الخضر لموسى بعدم صبره على ما سيراه من أعماله ، وتعهد موسى بالسمع والطاعة وعدم العجلة حتى يكون الخضر هو الذي يخبره بكنه ما يراه وعواقبه ، كما تضمنت القصة عدم تمكن موسى -عليه السلام- من الصبر الذي التزم بمكابدته . وفي ثنايا هذه الواقعة عبر ودروس عديدة نجلوها في النقاط التالية :
1- أراد الله -تعالى- أن يُعلّم موسى وجوب تفويض ما لا يعلمه إليه ؛ فقد ورد في الصحيح أن رجلاً سأل موسى على ملأ من بني إسرائيل : هل تعلم أحداً أعلم منك ؟ قال : لا . فأوحى الله إليه : بل عبدنا خضر أعلم منك [1] . وفي هذا إرشاد لأولي النهي أن يقفوا الموقف المنهجي مما لا يعرفونه ؛ فنبي الله موسى كان رسولاً من أولي العزم ، وهو كليم الله ومبلغ رسالته ، ومع هذا بين الله له وجوب تفويض ما لا يعلمه إليه ؛ فهو لم يجتمع بكل البشر ، ولم يعرف مقادير ما خصَّ الله به من شاء من عباده .
وفي هذا الزمان تشعبت العلوم ، وتفرغت حتى صار من العسير على الواحد منا أن يحيط بفرع من فروع المعرفة فضلاً أن يحيط بها جميعاً . وأمانة العلم تقتضي التريث بالفتوى والتحرز من التطاول على ما لا نحسن حتى لا تجتاحنا الفوضى العلمية ..

2- في هذه الرحلة المباركة وقف موسى موقف المتعلم ، ووقف الخضر في موقف الأستاذ ، مع أنه لا خلاف في أن موسى أفضل من الخضر ، وهذا يدل على أن الأفضلية العامة لا تقتضي التفوق في العلم ، وهذا يحثنا على أن نرجع لأهل الاختصاص في اختصاصاتهم ، وألا نرهق أهل الفضل بالسؤال عما لا يعرفونه ، ولا يحسنونه فيسقطون من أعيننا لعدم معرفتهم ، أو يسقطون ويُسقطوننا معهم إذا ما هم قالوا بغير علم ! ورحم الله الإمام مالكاً حين كان يقول : ( إن من شيوخي من أطلب منه الدعاء ، ولا أقبل روايته ) .

3- التزم موسى - عليه السلام - في البداية بالصبر على ما يراه وعدم العصيان حين قال : { سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ صَابِراً ولا أَعْصِي لَكَ أَمْراً } [الكهف 69] . وهذا الالتزام كان بناء على ما يعرفه من نفسه من الحرص على طلب العلم ومعرفة الخير . وكان تأكيد الخضر له أنه لن يصبر معه على ما يراه لما يعرف عنه من الحرص والالتزام بما شرع الله من حرمة الأنفس والأموال ، وكانت النتيجة إنكار موسى على الخضر ، كما توقع الخضر . وموقف موسى كان على النهج العام الذي ينبغي على المسلم سلوكه ، وهو إنكار ما خالف الشرع وعدم السكوت عليه ما دام ذلك ممكناً ، ولا يعكر صفو هذا خصوصية الموقف والحادثة [2] .
وقد أنكر موسى على الخضر مع علمه بقدره وعلمه لأن المنهج فوق الأشخاص أياً كانوا . وقد ابتليت هذه الأمة في تاريخها المديد بأقوام أصيبوا بداء تقديس الأشخاص وإقامة البراهين على خيرية ما يفعلونه وتسويغ ما يرتكبونه من مناكر ومخالفات قطعية التحريم لما يعتقدونه فيهم من الصلاح ! .
وأدى ذلك إلى غبش عظيم في الرؤية ، وقد حطوا من قدر المنهج المعصوم على قدر ما رفعوا من شأن من يعظمون ! وما زال هذا مستمراً إلى يوم الناس هذا والله المستعان .

4- كان الخضر موقناً بعدم صبر موسى على ما يراه منه ، وعلل لذلك بقوله : { وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } [الكهف 68] . وهذا يشير إلى ظاهرة ثابتة في حياة البشر ، هي عدم الصبر على رؤية أحداث وأعمال تخالف ما استقر عندهم من الأعراف والمعايير ، أو على بذل جهود لا يرون لها نتائج تنسجم معها .
وقد وقف الصحابة - رضوان الله عليهم - موقفاً مشهوراً من شروط صلح الحديبية التي كانت في ظاهرها مخالفة لمصالح المسلمين ، ولولا أن الذي ارتضى تلك الشروط النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤيد بالوحي لكان هناك شأن آخر . لكن الله - تعالى - جعل فيها من الخير والبركة ما حمل أكثر المفسرين على القول : إن المراد بالفتح في قوله - سبحانه - : { إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } [الفتح 1] صلح الحديبية [3] . وسبب ذلك الموقف أن الصحابة ما كانوا قادرين على إبصار مآلات تلك المعاهدة ونهاياتها .

واليوم نجد رغبة جامحة لدى كثير من الدعاة والعاملين في حرق المراحل والقفز فوق الحواجز بدافع من الصدق والإخلاص ، والسبب في ذلك أنهم ما أحاطوا خُبْراً بجوانب العملية التغييرية الكبرى التي يتصدون للقيام بها . ونجد ذلك بشكل واضح لدى الشباب الذين يغلي في دمائهم حب هذا الدين والغيرة على هذه الأمة .
وسبب الاستعجال عند الشباب يعود - في أكثر الأمر - إلى أن كثيراً من قادة الدعوات يوهمون الشباب بأن التمكين في الأرض وبسط سلطان الدين هو قاب قوسين أو أدنى ، وذلك رغبة في كسبهم وإغرائهم بالعمل الدعوي ، حتى إذا مرت السنين تلو السنين أدرك أولئك الشباب أن الطريق أطول بكثير مما قيل لهم ، فيؤدي ذلك - عند أية هزة - إلى الإحباط والانزواء والسلبية أو إلى تسفيه القيادات واتهامها بالقصور وتجاوز المرحلة لها ثم الاندفاع خلف قيادات شابة تفتقر في أكثر الأوقات إلى الحكمة والخبرة والعلم والنتيجة معروفة !

وسبب ذلك أن الشيوخ ما بصَّروا الشباب بطبيعة طريق الدعوة وتكاليفه ومشاقه ، مع أن النصوص ، الواردة في ذلك كثيرة جداً .
أما الجوانب التي لم نحط بها خُبْراً فهي عديدة ، نذكر منها ما يلي :
أ- المنهج الرباني الذي نحمله ، منهج مشتمل على أجزاء صلبة راسخة لا يجوز أن تتطور أو يُغض الطرف عن شيء منها كي تؤدي وظائفها في الهداية والإصلاح ، وفيه أجزاء مرنة تقبل شيئاً من الموازنة لتحقيق خير الخيرين ودفع شر الشرين ؛ وكل أجزاء المنهج خير ، ومطلوب التحقق بها ؛ لكن الظرف هو الذي يعطي الأولوية لبعضها على بعض ؛ فأعمال الخير كثيرة جداَ لكن الحال المعاش يرجح شيئاً على شيء ، فإذا كانت في المسلمين مجاعة كان مجال إطعام الطعام أولى بالبذل من مجال التنفل بالحج والعمرة ، وإذا اجتاح العدو بلاد المسلمين كان تجهيز المقاتلين أولى من بناء مسجد أو تأثيث مكتبة عامة وهكذا .. وإذا كان المريض الذي نعالجه يشكو من أمراض عديدة وجب أن نبدأ بالأخطر منها كالنزيف مثلاً .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:31

ب - ومما لم نحط به خُبْراً على الوجه المطلوب الواقع الذي نتحرك فيه ، وهو واقع مفعم بالمؤثرات المختلفة حيث صار من غير الممكن معالجة أية قضية من قضايانا الكبرى على أنها شأن محلي خاص ، فوسائل الاتصال العجيبة المتاحة وتشابك المصالح وتداخلها ونفوذ الثقافة العالمية ، كل أولئك يجعل ما نظنه داخلياً خاضعاً لاعتبارات دولية وإقليمية إلي جانب الاعتبارات المحلية . وفهم تلك الاعتبارات ما عاد ممكناً عن طريق التأمل والشفافية ، وإنما عن طريق الدراسات المتقنة والصلات والعلاقات والمعايشات الداخلية .. وفهم طريقة التفكير لصانعي الخيارات والقرارات .

ج - ومما لم نحط به خُبْراً الإنسان موضع الدعوة ، وهذا الإنسان صار يخضع لمزيج كبير من المؤثرات الثقافية المتضادة - في كثير من الأحيان - مما يجعل تفكيره مختلفاً عن تفكيره في القرن الماضي ، ومفاتيح اهتمامه أيضاً تبدلت ، والطريق إلى حفز مشاعره صارت أكثر التواء . ولم يصاحب ذلك التعقيد كله ما يحتاجه من الفهم العميق القائم على معرفة النفس البشرية والسنن الإلهية التي تحكمها . وآية ذلك جمود خطاب كثيرين منا دون أدنى تحسين أو تحوير .

د- ومما لم نحط به خُبْراً سنن الله - تعالى - في تغير المجتمعات ، ذلك التغير الذي لا يتوقف أبداً لكنه لا يخرج عن الأحكام والأنظمة الإلهية التي تسيره ، وهو تغير أساسه الحركة البطيئة التي إن تسارعت لم تصل أبداً إلى حد الطفرة المناقضة للفطرة . وبما أن عمر الإنسان قصير فهو متشوق أبداً إلى معرفة نتائج أعماله ومجهوداته قبل أن يرحل عن هذه الدنيا لكن سنن الله - تعالى - لا تخضع للرغبات والأهواء ، ومن ثم فإن الله - تعالى - قال لنبيه : { وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنَا الحِسَابُ } [الرعد 40]
وإذا كان الوقوف على مفاتيح شخصية الفرد صار معقداً ، فإن الوقوف على مفاتيح شخصية المجتمع أكثر تعقيداً ؛ لأن أبناءه ينتمون إلى شرائح متعددة وكل شريحة منها تخضع لمؤثرات مغايرة ، وهذا يجعل التعامل معه غاية في التعقيد !
إن الحل الوحيد لحالات الاستعجال على قصف الثمار قبل نضجها هو الإحاطة المبصرة بكل جوانب التغيير المنشود وآلياته ، وإلا فإن كثيرا من الجهود ستكون جهاداً في غير عدو ، بل ستكون أخطر على الدعوة من أعدائها !
إن فقه التحرك بالمنهج أشق من فقه المنهج نفسه ؛ لأنه يقوم على ركائز عائمة ، وتراكم الخبرة فيه ضعيف لتنوع أحواله وكثرة خصوصياته . ولله الأمر من قبل ومن بعد .

________________________
(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء .
(2) ورد في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يرحم الله موسى لو كان صبر لقصّ الله علينا من أمرهما .


{ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ }






يقول الله سبحانه وتعالى : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وجُنُودِهِ قَالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة 249] ، تسلط الآية الكريمة الضوء على قضية مهمة من حياتنا ، هي قضية (الكم والكيف) ، وعلى العلاقة الجدلية بينهما ؛ فحين خرج طالوت لحرب جالوت خرجت معه الألوف المؤلفة من الجند (كم) فأراد أن يعرف عن نوعية الرجال الذين سيقاتل بهم فابتلاهم بالشرب من النهر ، فشرب منه السواد الأعظم منهم ، ولم ينجح في ذلك الامتحان سوى ثلاثمائة وبضع عشر رجلاً - كعدة أصحاب بدر - وكان موقف هذه القلة القليلة من جيش جالوت الموقف الذي يتناسب مع كيفهم ، فقالوا : { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ } ، هذه الفئة القليلة هي الغالبة لما نالت من تأييد الله ونصره ؛ لنصرها دينه واستحواذها على شروط النصر .
وفي ختم الآية : ] واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ إشارة إلى أن هذه الفئة كانت تتحلى - في جملة ما تتحلى به - بالصبر الضروري لمجالدة العدو .
إن للكيف شأناً وأي شأن في أوقات الأزمات عامة ومصارعة الأعداء خاصة ؛ حتى إن الرجل ليغالب العشرة من الرجال { إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } [الأنفال 65] . وهذه الدنيا دار ابتلاء ، ومن ثم فإن بني البشر محاطون بكل ما من شأنه أن يكون ابتلاءً لهم ، الزمان والمكان والأشياء والأفكار والأعراض ، وكل ما نتركه غفلاً على حالته الفطرية فهو (كم) يتحدى ، ويضايق ، وقد يشوه ، ويقتل ! ! ومن ثم فإننا نمتلك من القدرة والحرية على مقدار ما نكيفه من تلك الفطريات .
ونحن بني البشر محدودو الطاقات والإمكانات ، ومن ثم فإن توسعنا في الكم لا بد أن يكون على حساب الكيف ، كما أن التوسع في الكيف لا بد أن يكون على حساب التوسع في الكم ، وهذا يوجب علينا أن نتعلم كيف نركز على الكم ، وكيف نركز على الكيف ، ومتى يكون هذا ، ومتى يكون ذاك ؟ وإلا فربما ذهب كثير من جهدنا هباءً !
وعلى سبيل المثال فإن الظواهر الاجتماعية تتكون على سبيل التدرج ، وإذا ما استقرت ، وصارت عرفاً ضغطاً على الناس ضغطاً شديداً ، وهي لا تعتمد في سيرورتها على الكيف ، لكن على الكم ، ومن ثم فإن القول السائر في صددها يكون باستمرار : الناس يعيبون هذا ، والناس يحبون هذا ، بقطع النظر عن توعية القائلين ، ومن هنا جاء الحديث الشريف : ( من كثر سواد قوم فهو منهم ) [1] حيث إن تكثير السواد في بعض المواقف ، كالمؤتمرات والتظاهرات - مثلاً - يكون هو الهدف مهما كان القصد ! وهذا يعني أن جهداً كبيراً ينبغي أن يبذل في اتجاه جعل الدين ثقافة عامة للناس يؤصلون أعرافهم عليها ؛ فلا يصبح المعروف منكراً ولا المنكر معروفاً ..
وعلى صعيد الكيف فإن باحثاً واحداً يعد مرجعاً في فرع من فروع المعرفة أجدى على التقدم العلمي من ألوف الملقنين المدرسيين . ونحو من هذه الوظائف الإدارية والقيادية العليا ، فإن شخصاً موهوباً مؤهلاً واحداً أنفع من مئات الأشخاص (الخام) الذين يحتاجون إلى من يصرف أمورهم ..
وفي قضايا الفكر والرأي والالتزام قد ننظر للكم تارة وقد ننظر للكيف تارة أخرى ؛ فإذا كان الحق الذي نتبعه قطعياً - أي ليس مناطاً للاجتهاد - فإن الكم مهدور حينئذ ، وهذا معنى قول بعض السلف : الجماعة أن تكون على الحق ، ولو كنت وحدك . وحين يكون الحق اجتهادياً فإن الكم حينئذ معتبر ، ومن هنا نشأت أهمية كلمة (جمهور) عند الفقهاء وغيرهم .
إن أمتنا اليوم لا تعاني اليوم من نقص في (الكم) على أي صعيد من الصعد ، لكنها تعاني من نقص شديد في (الكيف) ؛ فنحن اليوم أكثر من خمس العالم ، وأراضينا واسعة شاسعة وخيراتنا كثيرة وفيرة ، لكننا إلى جانب هذا في حالة معيشية مأساوية على أكثر الأصعدة ، فأكثر بلدان العالم الإسلامي مصنفة مع البلدان الفقيرة ، وكثير من شعوبنا يعيش تحت مستوى الفقر ! وأعلى نسبة للأمية موجودة عندنا ! أما الوزن الدولي فنحن جميعاً على الهامش موزعون ما بين شرق أوسط وأقصى وأدنى ، أي أننا نُصنف باستمرار تبعاً لموقعنا في المركز ! !
ومع أن الوحدة ظلت المحور الذي يجذب مشاعرنا وأدبياتنا ، إلا أن حالتنا الراهنة تتجه باستمرار إلى مزيد من التمزق والتفكك ، مع أن العالم من حولنا يسير إلى التوحد والاندماج ! أما حقوقنا وكرامتنا وأراضينا فوضعنا ووضع العالم منها يلخصه المثل العربي القديم : ( أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل ) !!
ولا أريد أن أتمادى في (النبش) وتتبع المواجع حتى لا نقع فريسة اليأس القاتل لكن ما أريد أن أقوله هو أن وضعنا الحالي قد جاءت به النذارة في نصوص كثيرة منها : حديث [2] القصعة المعروف ، والذي وصف حالة الأمة بالغثائية ، والتضاؤل على المستوى الظاهري : غثاء كغثاء السيل ، وعلى مستوى المضمون ( الوهن ) : ( حب الدنيا وكراهية الموت ) .
وللغثاء سمتان أساسيتان : خفة الوزن وعدم الترابط ، ويترتب عليهما نتيجة مخيفة ، هي فقد الاتجاه الحر ، فالغثاء يساق دائماً إلى حيث يريد ، وإلى حيث لا يريد ؛ وفي موازين عديدة يعد فقد الاتجاه فقداً للوجود ذاته ! !
وهذا كله يعني أن أحوالنا الثقافية والسلوكية والاقتصادية إذا ظلت على ما هي عليه فلن تفرز إلا التبعية للآخرين ، والتي ستفرز من جهتها باستمرار صراعات في بُنانا العميقة تؤكد الغثائية وتؤصلها ! !

كيف نحول الكم إلى كيف ؟
نحن في حركتنا اليومية نقوم باستمرار بتحويل (الكم) إلى (كيف) فلا مشكلة في الممارسة العملية ، لكن الإشكال يكن في فقد التوازن بين الكم والكيف ، أو بعبارة أخرى في الكم الهائل الذي نستطيع تكييفه ؛ مما يحوله إلى عبء ثقيل وعقبة كأداء في طريق نجاحنا ؛ فالأمي والجائع والمريض والمنحرف والفوضوي والكسول ، كل أولئك يشدون الأمة بعنف نحو الوراء ، ويقفون في وجهها ، وهي تخطو نحو الخلاص من الغثائية ، وليس هذا فحسب بل إن هذه الهلاميات تستطيع أن تتأبى على أي قالب تشكيل تصادفه ، مما يجعلها دائماً نقاط ضعف في جسم الأمة ونقاط ارتكاز ورؤوس جسور للمتربصين بها الدوائر ! !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:34

ويكون السؤال حينئذ : كيف نحد من نسبة هؤلاء لتكون قريبة من الطبيعية ؟ ؟ إن هناك كلاماً كثيراً يمكن أن نقوله في هذا الشأن ، لكنني أود أن أشير إشارة عابرة إلى محاور أربعة أحسبها منطلقات مهمة في هذه السبيل :
1- أن نشيع في الأمة روح التوحد على الأصول والحق القطعي ، وذلك يستلزم جهوداً دائمة في بلورة ذلك ؛ وأن نشيع إلى جانب ذلك روح التعاذر في الفروع والحق الاجتهادي ، ونضرب للناس الأمثلة العملية التي تنير لهم السبيل ، وأن نبقي في الحالتين هامشاً للتواصل والتبشير والإنذار .

2- أن نوسع في تربيتنا وحياتنا اليومية من مفاهيم العبادة لتشمل مجالات النفع العام ، كالأخذ بيد أولئك الذين قعدت بهم ظروفهم وإمكاناتهم عن أن يعيشوا حياة كريمة طبيعية ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار ) [3] وذلك بغية التخفيف من المعاناة التي يكابدها كثيرون من أفراد الأمة .

3- رعاية النابهين وإعطاؤهم ما يستحقونه من الاهتمام والمتابعة والبذل ، والنابهون هم أولئك الذين آتاهم الله - سبحانه - من المكنة ما جعلهم محاور يدور في فلكهم الآخرون ، والنابه قد يكون طالباً عبقرياً ، وقد يكون وجيهاً يأتمر بأمره كثيرون ، وقد يكون واحداً من ذوي رؤوس الأموال الطائلة ، وقد يكون ويكون ... ، وهذا من باب إنزال الناس منازلهم .

4- إقامة المؤسسات الكبرى على مختلف الصعد ، وتلك المؤسسات تؤصل فينا روح الفريق ، كما توفر الأطر الإدارية والفنية والعملية لأولئك الذين يملكون روح الإخلاص والعطاء . إن المؤسسات تمثل مهمة المحرك للسفينة تارة ومهمة المراسي تارة أخرى ، أي : تؤمن حركة راشدة متزنة .

وإذا ما فعلنا ذلك أو بعضه نكون قد ساعدنا الأمة في الخروج من نفق (الغثائية الكمية) المظلم ، ودفعناها نحو امتلاك أهلية قيادة العالم وهدايته . وعلى الله قصد السبيل .

________________________
(1) من حديث لابن مسعود يرفعه انظر فتح الباري 13/37 .
(2) أخرجه أحمد وأبو داود .
(3) أخرجه الشيخان وغيرهما .

{ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً }






في هذه الآية خير عظيم ، إذ فيها البشارة لأهل الإيمان بأن للكرب نهاية مهما طال أمده ، وأن الظلمة تحمل في أحشائها الفجر المنتظر . وتلك الحالة من التعاقب بين الأطوار والأوضاع المختلفة تنسجم مع الأحوال النفسية والمادية لبني البشر والتي تتأرجح بين النجاح والانكسار والإقبال والإدبار ، كما تنسجم مع صنوف الابتلاء الذي هو شرعة الحياة وميسمها العام . وقد بثت هذه الآية الأمل في نفوس الصحابة - رضوان الله عليهم- حيث رأوا في تكرارها توكيداً لوعود الله - عز وجل - بتحسن الأحوال ، فقال ابن مسعود : لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه . وذكر بعض أهل اللغة أن (العسر) معرّف بأل ، و (يسراً) منكر ، وأن العرب إذا أعادت ذكر المعرفة كانت عين الأولى ، وإذا أعادت النكرة فكانت الثانية غير الأولى [1] . وخرجوا على هذا قول ابن عباس : لن يغلب عسر يسرين [2] .

وفي الآية إشارة بديعة إلى اجتنان الفرج في الشدة والكربة مع أن الظاهر أن الرخاء لا يزامن الشدة ، وإنما يعقبها ، وذلك لتطمين ذوي العسرة وتبشيرهم بقرب انجلاء الكرب .
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى الاستبشار بهذه الآية حيث يرى المسلمون الكثير من صنوف الإحباطات والهزائم وألوان القهر والنكد ؛ مما أدى إلى سيادة روح - التشاؤم واليأس ، وصار الكثيرون يشعرون بانقطاع الحيلة والاستسلام للظروف والمتغيرات . وأفرز هذا الوضع مقولات يمكن أن نسميها بـ ( أدبيات الطريق المسدود ) ! هذه الأدبيات تتمثل بالشكوى الدائبة من كل شيء ، من خذلان الأصدقاء ، ومن تآمر الأعداء ، من تركة الآباء والأجداد ، ومن تصرفات الأبناء والأحفاد !
وهؤلاء المتأزمون يسلطون أشعة النقد دائماً نحو الخارج ؛ فهم في ذات أنفسهم على مايرام ، وغيرهم هو الذي يفعل كل ما يحدث لهم ! وإذا رأوا من يتجه إلى الصيغ العملية بعيداً عن الرسم في الفراغ أطفؤوا حماسته بالقول : لن يدعوك تعلم ، ولن يدعوك تربي ، ولن يدعوك تمسي عملاقاً ، ولن يدعوك ...
وكل ذلك يفضي إلى متحارجة (كذا) تنطق بالصيرورة إلى العطالة والبطالة ، إلى أن يأتي المهدي ، فيكونون من أنصاره أو يحدث الله - تعالى - لهم من أمره فرجاً ومخرجاً !

ولعلنا نلخص الأسباب الدافعة إلى تلك الحالة البائسة فيما يلي :
1- التربية الخاصة الأولى التي يخضع لها الفرد :
وتلك التربية قد تقوم ببث روح التشاؤم واليأس من صلاح الزمان وأهله ، كما تقوم ببث نوع من العداء بينه وبين البيئة التي ينتمي إليها فإذا ما قطع أسبابه بها وانعزل شعورياً بحث عن نوع من الانتماء الخاص إلى أسرة أو بلدة أو جماعة حتى ينفي عنه الشعور بالاغتراب . لكن يكتشف أن ما كان يعتقد فيه المثالية ، ويتشوق إلى تحقيق أماله من خلاله لا يختلف عن غيره كثيراً ، مما يورثه الإحباط واليأس حيث يفقد الثقة بكل ما حوله وتكون النتيجة البرم والتأفف من كل شيء وردود الأفعال السلبية تجاه التحديات المختلفة .

2- التعامل مع الواقع على أنه كتلة صلدة :
يميل أكثر الناس إلى النظرة التبسيطية التي لا ترى لكل ظاهرة إلا سبباً واحداً ، ولا ترى في تركيبها إلا عنصراً واحداً . وهذه النظرة الخاطئة تفضي إلى معضلة منهجية كبرى ، هي عدم القدرة على تقسيم المشكلة موضع المعاناة إلى أجزاء رئيسية وأخرى ثانوية ، كما تؤدي إلى عدم القدرة على إدراك علاقات السيطرة في الظاهرة الواحدة ، وعدم القدرة بالتالي على تغييرها أو تبديل مواقعها .
والنتيجة النهائية هي الوقوف مشدوهين أمام مشكلة متكلسة مستبهمة لا نرى لها بداية ولا نهاية ، والمحصلة النهائية هي الاستسلام للضغوط وانتظار المفاجآت ، مع أننا لو باشرنا العمل الممكن اليوم لصار ما هو مستحيل اليوم ممكنا غداً .

3- عدم الانتباه للعوامل الداخلية للمشكلة :
يندر أن نرى اليوم ظاهرة كبرى لا تخضع في وجودها واشتدادها واتجاهها لعدد من العوامل الداخلية والخارجية ، ويظل العامل الخارجي محدود التأثير ما لم يستطع إزاحة أحد العوامل الداخلية والحلول محله . ونستطيع أن نطبق ذلك على أية مشكلة كبرى نواجهها اليوم . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الباهرة حين قال : ] وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [ [آل عمران 120] .
والذي يحدث أننا كثيراً ما نبصر المؤثرات الخارجية - وهي مؤثرات قاهرة حقاً - ونغض الطرف عن العوامل الداخلية ؛ فنحن مثلاً لا نملك إقناع الأعداء بأن يخففوا من غلوائهم في عدائنا ، كما لا يملك بنو البشر جميعاً أن يمنعوا الثلوج من التساقط ؛ لكن الذي نستطيعه هو تقوية أنفسنا حتى لا نكون لقمة سائغة ، كما يفعل الناس في مواجهة ظروف المناخ . لكن المشكلة أن أصعب أنواع المواجهات هي مواجهة الذات ، وأن أرقى أنواع الاكتشاف هي اكتشاف الذات !

4- عدم إدراك حركة الجدل بين الأحوال :
تتعاقب الأحوال كما يتعاقب الليل والنهار ، وما بعد رأس القمة إلا السفح وما بعد السفح إلا القاع . وإن دفع أية قضية إلى حدودها القصوى سيؤدي في النهاية إلى كسر ثورتها أو إنهائها بصورة تامة . وحين تصل تجربة أو نظرية أو منهج إلى طريق مسدود فإن الناس لن يتلبثوا إلا قليلاً حتى يجدوا المخرج الذي قد يكون مناسباً ، وقد لا يكون .
وهنا يأتي دور الثلاثي النكد من الأذكياء والعملاء والبلهاء الذين يحاولون - على اختلاف القصود - عدم وصول أي مشكلة إلى مرحلة الانفجار حتى تظل مستمرة إلى ما لا نهاية ! والمشكلات في عالمنا الإسلامي لم تدم تلك القرون المتطاولة إلا نتيجة الهندسة الإخراجية لذلك الثلاثي ! ! وهنا يأتي أيضاً دور المفكرين الذين يمتلكون رؤية نقدية شاملة ينقلون من خلالها مشكلات مجتمعاتهم إلى حس الناس وأعصابهم حتى لا يتكيف الناس معها سلبياً ، وحتى يتاح بالتالي تجاوزها .
{ فإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً * إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً } ، وإن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب ، وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها ومفتاح حلها ، وإن لجميع ما نعانيه من أزمات حلولاً مناسبة إذا ما توفر لها عقل المهندس ومبضع الجراح وحرقة الوالدة .. وعلى الله قصد السبيل .

________________________
(1) انظر البحر المحيط 8/488 .
(2) السابق , وبعض المحدثين يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:35

{ ولَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً }


كان من جملة تسخير الله - تعالى - الكون لهذا الإنسان أن بثّ فيه سنناً تتسم بالاطراد والثبات والشمول . وهذه السنن مبثوثة في الكون والأنفس والمجتمعات .
وإن وجود السنن رحمة من الله - تعالى - بنا ؛ إذ أننا تمكنا بسببها من اختصار كثير من الجهود التي كان علينا أن نبذلها لفهم ما حولنا والتعامل معه . ولنتصور أن قانون إحراق النار ، أو قانون الجاذبية ، أو قانون تغير الحال إلى الأحسن أو الأسوأ تبعاً لجهد الإنسان وسلوكه لم يكن ثابتاً ولا مطرداً فكيف ستكون الحال إذن ؟ !
ومظهر آخر للرحمة في اطراد السنين هو أن التحول في أكثر الظواهر الاجتماعية يتم ببطىء ؛ وعمر الإنسان قصير إذا ما قيس بعمر الحضارات ؛ مما يجعله يبصر مقدمات الحدث دون نتائجه ، ونتائجه دون مقدماته وأسبابه . وحينئذ فإن من السهولة بمكان أن يصاب المرء بغبش الرؤية وضلال الأحكام .
والسنة بتجسيرها للعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل جعلت في إمكان المسلم أن يعرف النتائج من خلال الوقوف على الأسباب ، والمقدمات من خلال رؤية نتائجها ، أي جعلت الأزمنة كتلة واحدة ، وهي بهذا الاعتبار تكون قد أمنّت للمسلم نوعاً من التواصل عبر حقب الزمان المختلفة ، فالماضي لم يغادرنا حتى ترك في حاضرنا ثقافة عصرنا وصفات وراثية محددة وظروفاً تؤطر مساحات حركتنا اليوم . إن الماضي سيظل يظهر في الحاضر بصورة ما ، وإن الحاضر سيظل يظهر في القابل بصورة ما ، وإن فيزياء التقدم عبارة عن حديث الحاضر مع الماضي عن المستقبل .

السُنَّة : إلتحام بكل الأبعاد ..
إذا كانت السنة هي الناموس العام الذي يؤمن الاستقرار والانسجام بين جزئيات الظاهر الواحدة إذا ما توفرت بعض الشروط الموضوعية فإن هذا يعني أن المسلم مأمور بعبور الماضي ليفهم جذور حاضره ، ومأمور بتجاوز الحاضر ليمد النظر نحو المستقبل ؛ كيما يفقه الخطوة المناسبة . ونجد نصوصاً كثيرة في هذا الأمر ، كقوله سبحانه : { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ } [آل عمران : 137] . وقوله سبحانه : { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [العنكبوت : 20] . إنها دعوة للسير في الأرض والخروج من سجن المكان المألوف لرؤية خلق الله وإبصار سننه فيه . وبما أن المكان يرث دائماً الزمان فإننا سوف نبصر من خلال السير في الأمكنة الكثير من الأزمنة الماضية وما خلفته لنا من آثار خلق الله تعالى .
وقد كانت هذه الأمة تحتل في يوم من الأيام مكان الصدارة بين الأمم ؛ فإذا بها تبحث عن مكان في الذيل ، فلا تجد ! والخطوة الأولى نحو استعادة بعض ما فات تتمحور حول بحث الأسباب التاريخية التي أدت بنا إلى هذه الحالة المنكورة . وهذا يعني أن علينا أن نثابر في قراءة التاريخ المرة تلو المرة حتى نقف على جذور الواقع الذي نعيشه إذا ما كنا جادين في تغييره نحو الأحسن .
إن ظواهر كثيرة في حياتنا ستظل غير مفهومة ما لم نعد إلى جذورها العميقة الضاربة في القدم ؛ فإذا ما نظرنا - مثلاً - في ظاهرة » ذل المسلم وخضوعه « لم نستطع أن نفهمها ما لم نعد إلى الماضي ، فإذا عدنا رأينا ما يسوِّغ ذلك ، فقد صُب عليه من صنوف التعذيب النفسي والجسدي ، ومن صنوف الإذلال والإهانة وسياسة » اسحق الذبابة بالمطرقة « ما لا يفرز إلا مسلم اليوم !
ذلك باستمرار باسم المصلحة العامة وأمن الأمة والاستقرار العام ! ! لكن لا بد من القول إن انفتاح العالم على بعضه حتى تحول إلى » قرية إعلامية « - كما يقولون - قد جعل فهم الواقع اليوم أكثر تعقيداً . والسبب أن جزءاً من هذا الواقع هو الذي يمكن مسُّه ، أما الباقي فجذوره وخيوطه ربما كانت خارج أرضي المسلمين كلها ! !
لكن مهما يكن من أمر فإن السنة ترسم لنا المسار العام إن لم تتحفنا بالتفاصيل .

السنة وعلوم المستقبل :
هناك اليوم حركة محمومة في الغرب لدراسة المستقبل ، حتى صار لديهم علم اسمه » علم المستقبل « . وهم يصنفون المستقبل إلى مباشر ، وهو يغطي مساحة زمنية قدرها عام ، ومستقبل أقرب وهو يغطي مساحة قدرها خمسة أعوام ، ومستقبل قريب يغطي مساحة قدرها عشرون عاماً ، ومستقبل بعيد يمتد إلى نحو خمسين عاماً ، ومستقبل أبعد يتجاوز الخمسين . وهم لخبرتهم الحسنة بالواقع يستطيعون مد البصر نحو المستقبل في المجالات التقنية والتنموية المادية بصورة خاصة . لكن لاعتقادهم أن العلم هو الذي يكيف سلوك البشر ، وليس الدين فإن كثيراً من توقعاتهم سوف تكون مخيبة للآمال . وتاريخ البشرية هو تاريخ الرسالات والشرائع وما تحدثه من دوائر الاستجابة وردود الفعل ؛ وسيظل مستغلق الفهم على من نظر إليه على غير ذلك .
وإذا كانت وظيفة الإنسان في الحياة هي الالتزام بشرع الله والقيام بإعمار الأرض فإن القرآن الكريم يحدثنا أن هلاك الأمم الماضية لم يكن أبداً بسبب القصور العمراني ، وإنما بسبب التقصير في جانب العبودية لله تعالى والانحراف عن منهجه . وهذا ما لا يستطيع الغربيون اليوم فهمه ؛ ومن ثم فإن كثيراً من دراسات المستقبل لديهم سيظل جهاداً في غير عدو !
ونستطيع القول : إن الإسلام يربي المسلم على النظر دائماً نحو الأمام ؛ فهو منذ البلوغ إلى أن يلقى الله - تعالى - يرنو نحو المستقبل بالآخرة - بل يجعله حكماً في حاضره بكل حركاته وسكناته . وهناك نصوص كثيرة تتحدث عن المستقبل ، وهذه النصوص منها ما يقدم الإطار العام كقوله - سبحانه - : { إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد : 11] . وكقوله - سبحانه - : { َقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11) ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } [نوح : 10-12] .
ومنها ما يقدم بعض التفصيلات كإخباره -صلى الله عليه وسلم- عن أن الفنتة ستأتي من قبل المشرق ، وإخباره عن فشو الأمراض الغريبة في الذين تفشو فيهم الفاحشة [1] إلخ .. وقد أوجدت معرفة السنن عند السلف حساً خاصاً بالتعامل مع الواقع من خلال إفرازاته المستقبلية ؛ فهذا أبو بكر - رضي الله عنه - يقول :
» لا تغبطوا الأحياء إلا على ما تغبطون عليه الأموات « وهذا تعبير مركز ينمُّ عن رؤية الأشياء المادية ونهاياتها في لحظة واحدة ! !
وهذا عمر - رضي الله عنه - يأتيه خبر فتح خراسان ، فيقول للناس في المدينة : » لا تبدلوا ، ولا تغيروا ، فيستبدل الله بكم غيركم ، فإني لا أخاف على هذه الأمة إلا أن تؤتى من قبلكم « [2] . وهذا هو يؤتى إليه بغنائم » جلولاء « ،
فيرى ياقوته وجوهره ، فيبكي ، فيقول له عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - : ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر ؟! فيقول عمر : » والله ما ذاك يبكيني ، وتاالله ما أعصى الله هذا أقواماً إلا تحاسدوا وتباغضوا ، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم « [3] ! وقد كان ما خافه رحمه الله !

لماذا التعرف على السنن :
السنن ماضية قاهرة ، ونحن لا نتعلمها من أجل تغييرها أو تحييدها ، وإنما من أجل الانسجام معها والعمل بمقتضاها وتلافي الاصطدام بها . والسنن مع جبريتها لا تمنعنا من الحركة ؛ إذ إن بين جبرية السنن ووسع المسلم وطوقه مساحات واسعة تصلح للتحرك والعمل ؛ فالقوانين الفيزيائية والكيميائية ثابتة ، لكننا من خلال فهمها استطعنا إيجاد الألوف من الصناعات الكيميائية والفيزيائية مستغلين ما بينها من خلاف وتنوع .
ومشكلتنا في هذه القضية ذات رؤوس متعددة :
فهناك من هو غارق في الماضي غريب عن الحاضر ، فهو يرى مقدمات الأحداث وجذورها ، دون أن يرى النتائج ، فهو مغترب أبداً .
ومنا من غرق في الحاضر دون أن يعرف عن بدايات الخلق لأزماته ومشكلاته شيئاً ؛ فهو يدور في حلقة مفرغة لا يرى مخرجاً ، ولا يهتدي سبيلاً .
ومنا من شهد جبرية السنن ، ولم يشهد مساحات التكليف وإمكانات الحركة ، فوقف عاطلاً عن العمل هاجعاً في إجازة مفتوحة ، لكنه أثرى أدب الشكوى من الزمان والظروف وتواطؤ الأعداء بما لا مزيد عليه ! !
ومنا من غرق في الأحلام الوردية ؛ فهو لا يرى ما هو كائن لينطلق به إلى ما ينبغي أن يكون ؛ فهذا شاق ، ويقتضي عملاً ، فوجد أن التعامل مع ما حوله على ما ينبغي أن يكون أسهل وأجمل فصار إليه !
ومنا من لم يسمع بالسنن فتفكيره إلى الخرافة أقرب ، وعلمه بالإرادة الكونية والإرادة الشرعية هباء ، والحياة أمامه بعد واحد ينتهي بطريق مسدود !

واجبنا اليوم :
1 - التركيز في معارفنا العامة على الدراسات التاريخية والنفسية والتربوية والاجتماعية ؛ لنتمكن من استجلاء أكبر عدد ممكن من سنن الله تعالى في الأنفس والمجتمعات .
2- بلورة مناهج للعمل الدعوي تتناسب مع تلك السنن في أساليبها وأدواتها .
3- تربية أبنائنا وطلابنا على التفكير السنني ؛ ليحل محل الأوهام والخرافات التي عششت في أذهان كثير منهم .
4 - محاولة القيام بتقويم سنني للأحداث الكبرى في تاريخنا والمعالم البارزة في واقعنا المعاش .
5- القيام بدراسات علمية مستقبلية تعتمد على ما فقهناه من سنن الله تعالى في حركة الفرد والمجتمع .

وإذا ما فعلنا ذلك فسوف نجد الخلاص من كثير من مشكلاتنا ، كما سنجد ساحات ودروباً للحركة والعطاء . وعلى الله قصد السبيل .

________________________
(1) انظر هذه الأخبار وكثيراً نحوها في كتاب الفتن من صحيح البخاري .
(2) الطبري 4/173 .
(3) السابق 4/30 .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 13:38

{ وقل اعملوا .. }






خلق الله تعالى الجنة داراً لتكريم أوليائه ، فوفر فيها كل شروط التكريم ؛ وخلق النار داراً لإهانة أعدائه ، فوفر فيها كل شروط الإهانة ؛ وخلق الدنيا داراً لابتلاء الفريقين ، فوفر فيها كل شروط الابتلاء .
إن هذا الدين يعلمنا أن كل ما يحيط بنا في دائرتي الزمان والمكان يمثل بالنسبة لنا ضرورة تتحدانا ، وعلينا أن نعيه ، ونتصرف معه التصرف اللائق بالإنسان المكرم المبتلى .
إن كل لحظة تمر على الإنسان في هذه الحياة هي لحظة اختبار ، وهي في الوقت ذاته ضرورة تتحدى ، وهي (كم) يتطلب منا تكييفاً مناسباً ، فإذا لم نستطع تكيف تلك اللحظة مضت تاركة وراءها قيداً على حرياتنا ووجودنا ! وإن التكييف في موازين هذا الدين السمح قد يأخذ في بعض الأحيان صورة اعتبارية محضة ، كما هو الشأن مع الذي يبادر إلى فراشه فيما يتمكن من حضور صلاة الفجر مع الجماعة ؛ فإنه قد كيف كل لحظه نوم بما انطوت عليه سريرته من قصد . وعلى هذا فإن البطالة والنوم - غير المكيف - ضربان من ضروب الفناء والعبودية المكبلة بالأغلال !
إن كل ما حولنا من فكر ومادة وضرورات هي الأخرى تنادي الإنسان المبتلى كي يتحرر من قيودها بتكييفها ؟ إن الفكرة الصحيحة تتحدانا كي نعممها ، وإن الفكرة الخاطئة تتحدانا كي نفندها ونحجمها ، وإن الفكرة الغامضة تتحدانا ؛ لننفذ إلى جوهرها ، كما أن الفكرة القاصرة تتحدانا لنطورها .
إن الأرض تتحدانا لنزرعها ، فإذا قبضنا على منتوجها تحدانا هو الآخر كي نصنعه على الوجه الأمثل . إن نديف القطن يتحدى النساجين ، فإذا ما صار قماشاً دخل في طور من التحدي جديد ، فلئن كان النساجون قد تحرروا من قيود النديف فقد وقع الخياطون في ضرورة النسيج إلى أن يحيلوه ثوباً جميلاً . فإذا ما عجزت أمة عن أن تخيط نسيجها بين يديها ، أو تزرع أرضاً خصبة تملكها تحول ذاك وهذا إلى قيود على حريتها ووجودها ، وإن من القيود ما يقتل ، ومنها ما يشل ، ومنها ما يشوه ...
وليس انتقال الإنسان من ضرورة إلى أخرى انتكاساً أو زجاً له في دائرة مغلقة - كما قد يتوهم - فنحن إذ نتردد بين مشكلاتنا وحلولها إنما نمضي في حركة لولبية صاعدة تمنحنا المزيد من الحرية والقدرة والتأنق .
إن كل سلعة مصنعة نستوردها هي عبارة عن ضرورة نطوق بها أعناقنا ، وإن أشد المستوردات خطراً على حريتنا تلك التي تكون أكثر إلغاء للعمل عند مستوردها ؛ لأن العمل هو الحرية ، والذي يلغيه يلغي الحرية . ذلك لأن السلعة المصنعة كانت من قبل مادة غفلاً وكان لإمكاننا أن نمارس حريتنا في تصنيعها وتحويلها ، وقد صودرت هذه الحرية حين قام بتشكيلها غيرنا .
وقد أدركت الأمم المتقدمة هذه الحقيقة فتسابقت إلى استيراد المواد الخام ، ووضعت القيود على استيراد السلع المصنعة ؛ فهي لا تبادل الدول الأخرى منها إلا قدراً بقدر حتى تمارس حريتها كاملة ؛ وترى ثمار ما عملته أيديها ..
إن حرية الفرد في المجتمع على قدر عمله ، فإذا ما أخذ من الآخرين أكثر مما يعطيهم فقد من حريته مقدار ما يزيد لهم عنده . وإن أقسى ما يواجهه الحر الكريم أن يرى نفسه غارقاً في عطاء الآخرين دون أن يكون لديه ما يعطيهم ؛ لشعوره بأن ذلك على حساب حريته ، أي : على حساب وجوده ! !
إن العمل هو طريق الخلاص ، وهو طريق تحقيق الذات ؛ ولكن هل كل حركة بركة ، وهل كل عمل هو كسر للقيود وإعتاق للرقاب ؟ ؟
لاريب أن الأمر ليس كذلك ، فالسكون في أيام الفتن - مثلاً - خير من الحركة ، ورب حركة متعجلة قصد منها كسب الحرية أدت إلى الرسف في أغلال العبودية سنين طويلة ، ذلك لأن العمل عبارة عن غزو الصورة للمادة ، وإذا ما شكلت مادة ما على صورة خاطئة فإن هذا قد يعني الحرمان منها باعتبارها كماً ، وباعتبارها كيفاً ؛ لأن أشياء كثيرة قد لا تقبل أن تتشكل إلا مرة واحدة ! ! إنه لا بد من توفر شرطين أساسيين في العمل الكريم ، هما الصواب والإخلاص ، أي القوة والأمانة ، أو القدرة والإرادة ، وإن كان بعض الأعمال يعتمد على أحدهما أكثر من اعتمادها على الآخر ؛ فأعمال الآخرة تعتمد على الإخلاص أكثر من اعتمادها على الصواب ، وإن يكن الصواب أساسياً . وأعمال الدنيا تعتمد على الصواب أكثر من اعتمادها على الإخلاص ، فكلما كان الإخلاص أعظم كانت المثوبة أكبر ، وكلما كان الصواب أكبر كان النجاح أكثر ، تلك هي سنة الله .
وتقاس حيوية المجتمع بقدر ما يمور به من حركة الفكر واليد ؛ وعلى هذا الصعيد فقد فجر الإسلام طاقات المسلم على مستوى القيم ، وعلى مستوى الأداء بصورة قل نظيرها في التاريخ ، فشيد المسلمون في قرن من الزمان حضارة زاهرة ظلت تعطي وتقاوم عوامل الفناء نحواً من عشرة قرون ، ثم صارت المجتمعات الإسلامية ، من أقل مجتمعات الأرض حراكاً وعطاء ، فما هو السبب الذي أفضى إلى هذه الحالة المنكورة ؟
في مقاربة أولية للوقوف على جواب هذا التساؤل الكبير ، يمكن أن نقول أولاً : إن ظاهرة كبرى كظاهرة الركود الحضاري أكبر من أن تفسر بعامل واحد ؛ ولكن بإمكاننا أن نسلط الضوء على عامل نحسب أنه كان على جانب كبير من التأثير في هذه الظاهرة ، هذا العامل هو انخفاض مستوى الإيمان بالله - تعالى - أو انخفاض جوهر ذلك الإيمان ، أعني (الصلة بالله تعالى) . حقاً لقد ظلت قيمة الإيمان في أعلى السلم القيمي للمسلمين ، ولكن ذلك وحده غير كاف لإطلاق الطاقات وتوجيهها نحو بؤرة محددة ما لم تتوفر شروط موضوعية في الإيمان نفسه ، وفي البيئة التي يعمل فيها .
وإنما كان ذلك هو السبب في تصورنا ، لأن بنية الثقافة الإسلامية تتمحور داخلها العلاقات حول ثلاثة أقطاب هي : الله - سبحانه - ، الإنسان ، الطبيعة .
وإذا أردنا تكثيف هذه العلاقات حول قطبين اثنين لكانا : ( الله ، الإنسان ) .
وأما الطبيعة فإنها هامشية نسبياً ما أن وظيفتها تتركز في كونها إحدى الدلائل على وجود الله ، وكونها مجالاً للابتلاء ؛ فالمسلم يكتشفها ويعمرها امتثالاً لأمر الله تعالى ، وهذا على خلاف ما هو مستقر في العقل اليوناني الأوربي الذي تتمحور العلاقات فيه على الإنسان والطبيعة . أما فكرة (الإله) فيه فهي عون على كشف الطبيعة ، أي إنها تقوم بالوظيفة نفسها التي تقوم بها الطبيعة في الثقافة الإسلامية .
ومن هنا فإن تعامل المسلم مع الطبيعة ليس مباشراً ، ونظرته إليها معيارية قيمة ؛ فعلى مقدار ما يتوهج الإيمان في صدره يكون تفاعله مع الطبيعة ويكون عطاؤه الحضاري ، فإذا ما خبا الإيمان في صدره - لسبب من الأسباب - انحبس جهده في البناء الحضاري ، أو فتر . وليس كذلك الشأن عند أهل الحضارة المادية . ولا يكفي أن يتوهج الإيمان في صدور أفراد قليلين في المجتمع الإسلامي لاستئناف مسيرة الحضارة الإسلامية ؛ لأن الحضارة ظاهرة اجتماعيه لا ظاهرة فردية .
ونلمح هذا المعنى شائعاً في الخطاب القرآني كله ؛ فكثيراً ما تفتتح آيات الأوامر والنواهي بـ { يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا .. } وكثيراً ما تختتم بـ { إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .. } { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .. } ؛ تذكيراً بأن الايمان المتألق هو الذي يطلق طاقات المسلم ، ويفعل القيم لديه . ولم تشذ الآية الكريمة التي نحن بصددها عن هذا النسق حيث يقول سبحانه : { وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فقد ربطت العمل برؤية الله تعالى لهذا العمل ومجازاته عليه في الآخرة .
وقد أدى الضعف في فاعلية المسلم وحركته اليومية إلى وجود خلل كبير في حياة المسلمين فصارت بلادهم أفقر بلاد الله ، كما أن نظامهم الرمزي الذي كان في يوم من الأيام أغنى نظم العالم بالأبطال العظام صار اليوم مجدباً على مستوى الكم والكيف ! !
ولم يقتصر الأمر على هذا ، بل إن الأزمة على صعيد الفعل أدت إلى وجود أزمة خطيرة على صعيد (الفكر) ؛ ذلك لأن العقل عقلان على حد تعبير (لالاند) عقل فاعل ، وعقل سائد . أما العقل الفاعل فهو النشاط الذهني الذي يقوم به الفكر حين البحث والدراسة ، وهو الذي يصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ . وأما العقل السائد فهو مجموع القواعد والمبادئ التي نستخدمها في استدلالاتنا . فليس العقل السائد شيئاً غير الثقافة . والعقل الفاعل أشبه شيء بالرحى ، والعقل السائد أشبه شيء بالقمح يلقى فيها ؛ وماذا تصنع رحى لا قمح فيها ؟ ! ومن أين ستأتي الثقافة لأمة لا تحرك يداً ، ولا تبني نموذجاً إلا في نطاق الضرورات إن كل انحباس في حركة اليد سيؤدي الى انحباس في حركة الفكر ، وكل انخفاض في وتيرة الإيمان سيؤدي - لدى المسلم - إلى انخفاض في تردد اليد . فهل كتبنا الحرف الأول في أبجدية البداية ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 14:05

{ وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ..}


يقرر المتخصصون في علوم الأحياء والسلوك ووظائف الأعضاء أنه - وفي كثير من الأحياء - يفوق الإحساس بالألم جميع الأحاسيس الأخرى ، مثل الإحساس بالجوع والعطش والمتطلبات العضوية الأخرى .
بمعنى آخر ، أن هذه الأحياء قد يوقفها الألم عن طلب ما تسد به جوعها وعطشها حتى عند الضرورة ، يقررون ذلك بناءً على عدد كبير من التجارب على حيوانات مختلفة وحتى الإنسان . وعادة ما تتم هذه التجارب بوضع حاجز يسبب ألماً شديداً للكائن الحي عند محاولة اجتيازها للوصول إلى الطعام والشراب . فقد لوحظ أن كثيراً من هذه الأحياء تتردد كثيراً قبل اجتياز هذه الحواجز ، وقسم كبير منها أدى به الجوع والعطش إلى محاولة هجر المكان تخلصاً من هذا الضغط العضوي ، وعند الفشل بمغادرة المكان ، قد يقرر الكائن الحي اجتياز الحاجز وتحمل الألم في سبيل سد هذه الحاجة العضوية المهمة . في حين أن هناك قسماً من الأحياء تصل به عدم القدرة على تحمل الألم إلى الموت .
نفهم من هذا السلوك أمراً مهماً هو أن أي مطلب أو حالة عضوية تؤدي بالكائن الحي إلى تجاهل أو تحمل الإحساس بالألم فلابد وأن يكون ذلك المطلب أو تلك الحالة العضوية من القوة بحيث تعطل ، ولو مؤقتاً ، أو تقلل - على أفضل تقدير - إحساس الكائن الحي بالألم .
وفي تجربة شخصية على عدد من الأحياء البحرية ، وُجد أنها تتوقف تماماً عن تناول الغذاء في حالة حصول عطب شديد . أو لا عادي في الظروف المحيطة بالأحياء . وقد يتوقف الكائن الحي عن القيام بعدد غير قليل من الوظائف العضوية تؤدي به إلى الموت التدريجي إذا زاد العطب والفساد في المحيط من حوله .

ونظرة تفكر فيما تقدم وفي قوله - تعالى - يصف حالاً مشابهاً لحال الأحياء التي تتجاوز مرحلة الإحساس بالألم للحصول على شيء أكثر أهمية ، أو قل أكثر إلحاحاُ ، هو قوله - عز من قائل - : { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف : 31] ؛ إذ تشير الآية إلى واقع حال تجاوز فيه الإحساس بمطلب معين (وهو هنا الانبهار برؤية النبي يوسف - عليه الصلاة والسلام -) الإحساس بألم قطع اليد ، هذا الألم الذي يعرف الجميع ضرورة شدته بسبب تركز خلايا الحس في هذا الجزء من الجسم . إذاً فقد أدى ذلك المؤثر إلى تعطيل إحساس النسوة بألم قطع السكين ولو جزئياً ..
والواقعة - كما هي معروفة من القرآن في سورة يوسف - تخبر عن مراودة امرأة العزيز لفتاها المملوك عن نفسه . تلك المراودة التي خطط لها أحسن تخطيط وتحرز لها كل الحرز على أن تتم بدون علم بشر { وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } [23] ولكن خبر المراودة والمحاولة انكشف بإرادة الله واطلع عليه مَن اطلع داخل البيت وخارجه . فطار الخبر للخارج - من غير جهة يوسف عليه السلام - بسرعة حتى أن نساء المدينة أصبحن يلُكن وينقلن الخبر في كل مكان ومجلس { وقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ امْرَأَةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُباً } [30] ؛ حتى رجع الخبر إلى مصدره الأصلى الذي بُهت فيما يبدو من عظم ما يُحاك من مكر في الخارج { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } [31] ، وكأن حال لسان نسوة المدينة يقول إننا لا نجد لها عذراً ؛ فهي مَن هي مركزاً ومقاماً وجاهاً ، وأنه لابد وأن يكون قد أصابها شيء إذ تفعل ذلك { إنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } [30] ، أي أننا لنستقبح منها ذلك الفعل ، فما كان من امرأة العزيز إلا أن صممت أن تجرب بهن نفس السلاح الذى عطل عندها أو أفقدها الإحساس بكل القيم العليا . وفيما يبدو من سياق الآيات الكريمة أن امرأة العزيز لم تزل قادرة على مراودة يوسف - عليه السلام - والخلوة به مع علم زوجها ، الذي كان قليل الغيرة أو عديمها ، ولهذا لما اطلع على مراودتها أول مرة قال { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنتِ مِنَ الخَاطِئِينَ } [29] ، فلم يعاقبها ولم يفرق بينهما ، وهو كان له دور في تيسير دعوة يوسف للفاحشة من قبل نسوة المدينة . وكان أن كانت نتيجة التجربة أنهن قطعن أيديهن بسبب الرغبة الجنسية التي فاقت إحساسهن بالألم ، تلك الرغبة الجماعية منهن جميعاً والتي بيَّنها يوسف - عليه السلام - في قوله (تعالى) { وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إلَيْهِنَّ } [33] ، وقوله { ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } [50] ، فهن قد راودنه عن نفسه لأنفسهن ولامرأة العزيز !
سبحان الله ! ، إن رؤية الرجل الحسن مؤثر عظيم القوة عطل لدى المرأة الإحساس بالطهر والعفاف وكل معايير إكرام المثوى وحسن الضيافة وحفظ الزوج وحقوقه . هل يبقى شك بعد هذه الآيات بخطورة الاختلاط وعدم غض البصر ؟ هل يبقى بعد هذا تساؤل عن المقصود من قوله - تعالى - : { وقُل لِّلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [ النور : 31] ، أو قوله { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } [النور : 30] ، أو قوله - عز من قائل عليم - : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } [الأحزاب : 59] .

ومن فوائد هذه الآيات من سورة يوسف أن الله - تعالى - يروي للأمة تفاصيل قصة حصلت في السر أو هكذا خُطط لها بصورة فردية أعقبها فتنة عظيمة على مستوى نساء المدينة وبصورة علنية وعامة . وقد بلغت السرية كمالها عند إغلاق الأبواب والتي كانت سبعة أبواب (القرطبي) ، حيث الإرادة أن يتم المنكر معها وحدها ، لكن إرادة الله شاءت أن يطلع على ذلك الشهود وزوجها ونساء المدينة وكأنه - تعالى - أراد لهذا الدرس عنواناً آخر هو أن مَن يهتك الستر الذي بينه وبين الله يهتك الله السر الذي بينه وبين الناس وأن من يتقِ الله يجعل له مخرجاً .
هذا ليعلم أن الفتنة والمكر قد يبدأ بصورة فردية أو حالة سرية هنا وأخرى هناك أو تساهل في مسألة ومسامحة في أخرى ، ولكن شر الفتنة لابد أن يعم المجتمع جُله إما بصورته المباشرة ، كما هو في كثير من المجتمعات متمثلة بانتشار الأمراض التي يعم شرها الصالح والطالح ، ذلك إذا لم يؤخذ على يد الفتنة والمكر من أوله وحال حدوثه ، والضابط في ذلك كله الشرع الإسلامي .

ومن الفوائد الأخرى ملاحظة خطورة إهمال البيوت والمجتمعات مما يجلبه الاختلاط والسفور والتبرج من فتن يمكن أن تعصف بالمجتمعات المسلمة ، فإنه من باب تشابه الميول والطبع بين النساء كما فطرهن الخالق كذلك ، فإن ترك باب الاختلاط والفتنة مفتوحاً على مصراعيه وإهمال الضوابط الشرعية في ذلك سيكون له - كما كان الحال مع امرأة العزيز - ردود فعل قد لا يسلم منها كثير من نساء ورجال المجتمع المسلم مما يودي إلى انتشار ما لا يحمد عقباه من أمور تضيع الدين وتخل ببنيان وحدات بناء المجتمع .

وكطباع الصالحين الذين وقاهم الله السيئات ، فإن يوسف - عليه السلام - عندما تعرض للفتنة ، فإنه اندفع ليهجر مكان الفتنة لينجو بدينه وعفته . ونستفيد من ذلك درساً عظيماً هو أن هجر المكان الذي يشاع ويظهر فيه الفساد - خصوصاً عند عدم القدرة على ردها أو اصلاحها أو إنكارها عملياً - قد يكون واجباً بحق الكثير منا . على أن هجر المنكر وداره ليس دائماً مستطاعاً للجميع ؛ فإن الطواغيت غالباً ما تلجأ إلى سد المنافذ { قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [25] .

أليس هذا ما يعمله طواغيت اليوم بالصالحين من سد منافذ الهجرة وفتح أبواب السجون وسد الأفواه والعيون بالأموال والآمال . وأما مَن لم يستبق الباب - وهو قادر على ذلك ورضي أن يكون في مكان السوء والفحشاء واطمئن من غير أن يحرك ساكناً وهو قادر على ذلك - فأخشى أن يكون ممن قال فيهم خالقهم { إنَّ الَذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِتعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وسَاءَتْ مَصِيراً } [النساء : 97] . ولكن حسبنا الله ، فحتى من يملك القوة على الهجرة قد سد الطغاة في الأماكن الأخرى أبواب أرض الله الواسعة فسُقط في أيدي الكثير من الصالحين وإلله المستعان .
ثم إن أساليب الطغاة تتجدد ولا تتبدل . فإن نبي الله يوسف - عليه السلام - لما أنجاه الله من الفتنة الأولى وأظهر طهره وبراءته نصبوا له فخاً آخر أشد قوة ومعه التهديد بأن يكون من الصاغرين ، فما كان منه -عليه السلام - إلا أن قدم نفسه للسجن { رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ } [33] . وكانت له المكافأة هناك في السجن حيث قيض الله - تعالى - له جواً مناسباً للدعوة وإيصال دين الله لمن لم يمكن له - لولا السجن - طريقاً للوصول إليه . ذلك ليعلم طواغيت اليوم أن تكميم أفواه الدعاة أمر مستحيل حتى داخل الزنزانات والحديد . ولنا في أئمة الإسلام - بعد رسل الله - أسوة حسنة .
وعودة إلى نبي الله يوسف نلاحظ أنه - عليه الصلاة والسلام - قد حقق كل مراحل الهجرة ، فقد هجر الكفر { إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } [37] وهجر الكبائر { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [23] وهجر الصغائر { قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [92] .

وفائدة عظيمة أخرى أن وعد الله متحقق بأن يجعل لمن يتقيه رزقاً من حيث لا يحتسب ؛ فهذه براءة يوسف - عليه السلام - تأتي من عدة وجوه وطرق :
فيشهد له خالقه أولاً أنه من عباده المخلَصين وأنه صرف عنه السوء ، ويشهد شاهد من أهلها ، وتشهد نسوة المدينة ، ويشهد الملك فيما بعد وفيما قبل ، ثم هي تشهد ببراءة ونزاهة نبي الله . فقد سخر الله هذه الجنود لتقدم دليلاً تلو الآخر على حفظ الله لنبيه وعباده الصالحين عموماً { ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ } [المدثر : 31] ، ذلك إذا علم الله منهم صدق القلوب ثم كان التمكين في الأرض لدين الله وعباده وهي الجائزة التي يرجوها كل مَن يشري مرضاة الله .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 14:18

{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }


طالما وقفت خاشعاً في محراب هذه الآية وطالما غمرني ضياؤها بأشعته الهادية حيث أودع الرحمن عز وجل في كلمات قليلة من المعاني الكريمة الفياضة ما يمدنا بالمفاهيم النيرة كلما اتسعت مساحات الوعي لدينا وكلما تعاظم رصيدنا من التجارب .
وسأقف مع القارئ الكريم وقفات عدة في إشراقة هذه الآية نغرف من معينها النمير .

الوقفة الأولى :
تمثل هذه الآية مظهراً من مظاهر رحمة الله تعالى حين رضي منهم أن يطيعوه على قدر طوقهم وقدرتهم ؛ وهذا الأمر أحد أهم الأسس التي يرتكز عليها التشريع الإسلامي ، وهو في الوقت ذاته أحد دعائم خلود الشريعة الغراء إذ أن تصرف الأيام والليالي يأتي بما لا يحصى من الظروف والأحوال ، وحينئذ فإن قدرات الناس على القيام بأمر الله تتفاوت تفاوتاً كبيراً ، خاصة لا يجد المفتي لها حكماً تفصيلياً يغطيها ، وتأتي هذه الآية لتمثل المنطلق الرحب والناموس الأعلى الذي يحكم فقه الضرورات ، وفقه ارتكاب أخف الضررين ودفع شر الشرين ، وتشعر هذه الآية الكريمة المسلم الذي وقع في ظروف حرجة ضاغطة بالطمأنينة بالسلامة من الإثم ما دام اتقى الله ما استطاع ، كما أنها تستنهضه لمقاومة الظرف الطارئ وبذل الوسع في الاقتراب من المركز أكثر فأكثر ، وهتو إذ يفعل كل ذلك يشعر برقيب ذاتي منبعه خشية الله سبحانه وتعالى .

الوقفة الثانية :
إن دوائر الاستطاعة تتسع على صعيدي القيام والعمل كلما استطاعت الأمة أن ترقى صعداً في سلم الحضارة . أما على صعيد القيم فإن التقدم المادي والتقني يهيئ الظروف المناسبة لنشر القيم وحملها ، وإذا أخذنا قيمة (الحرية) باعتبارها واحدة من أخطر القيم المتفق عليها بشكل عام لوجدنا أن هذه القيمة ليست حالة يتصف بها الفرد أو دعوى يطلقها ، وإنما هي عملية مواكبة للإمكانات التي يحصل عليها ؛ فإذا ما امتلك الواحد منا ثروة كبيرة من المفردات اللغوية وجد نفسه حراً في اختيار الألفاظ والأساليب المتعددة التي تمكنه من نقل المعلومة التي يريد إيصالها لمخاطبيه مهما تفاوتت مستوياتهم الثقافية . ومن توفرت في بلاده فرص كبير للعمل بشروط ميسرة وجد نفسه قادراً على رفض ما يمكن أن يتعرض له من ظلم أو حيف من أرباب العمل وعلى رفض ما يعده مهنة شاقة أو غير مناسبة ، وهو بذلك يجد أمامه مجالات واسعة للحركة وقدراً أكبر من الخيارات المريحة ، وقد عبر العرب قديماً عن هذه الحالة بمثل شائع حين قالوا : (من أخفض تخيّر) .
وفي المقابل فكيف يمكن لمن بحث عن فرصة للعمل سنوات عدة حتى عثر عليها أن يتصرف كما تصرف الأول ، وأن يشعر بأنه قادر على أن يكون حراً يأبى الظلم ويعيش بعيداً عن القسر والقهر ؟ ‍‍ ! !
وأما على الصعيد العملي فإن أكثر المخترعات أعطت جوارح الإنسان نوعاً من الامتداد في سلطانها وقدراتها ؛ فالآلة مدت في سلطان اليد والطائرة في سلطان الرجل والهاتف في سلطان السمع و(الرائي) في سلطان العين وهكذا ..
ويترتب على اتساع دوائر الاستطاعة تعاظم المسئولية ووجود إمكانات جديدة للمزيد من التقوى وبهذا الاعتبار فإن العمل لتحسين المناخ العام الذي يعيش فيه المسلم عبادة لله تعالى تهيئ الناس لمزيد من الطاعات والعبادات ، وإذا ما حدث خلل في الارتباط بين الاستطاعة والتقوى فإن ذلك يعني نوعاً من البغي الممقوت الذي يخل بالتوازنات العميقة بالفرد كما يستنزل المحن والعقوبات له .
وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى عقوبة شيء من ذلك الخلل حين ذكر الملك الكذاب في جملة من لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ، ولا ينظر إليهم إذ أن السلطان ذو قدرات كبيرة فإذا لم يواكبها الصدق أحدث من الضرر ما لا تنفع معه رقابة الرقباء ! ولذلك استحق العقوبة التي تتناسب مع فعله .

الوقفة الثالثة :
لكل منا طاقات محدودة ، ولكل منا طموحاته وأهدافه التي يرمي إلى تحقيقها في هذه الحياة قبل أن يرحل وتنهي الإمكانات والطموحات ؛ ومهما كانت قدرات الإنسان كبيرة فهي محدودة ، ونشاهد في كثير من الأحيان أن طموحاتنا أكبر من طاقاتنا ، وكثير منا يصاب حينذاك بالعجز والإحباط ويؤدي بنا هذا إلى البقاء في إجازة مفتوحة ! !
وهذا مع علمنا أن التكليف على قدر الوسع ، ولو أننا باشرنا ما هو ممكن اليوم لصار ما هو مستحيل اليوم ممكناً غداً ، ولنوضح هذا بمثال صغير ، فلو أننا عمدنا إلى طفل في الخامسة من عمره لم يدخل المدرسة ، وطلبنا منه كتابة اسمه لوجد أن ذلك بالنسبة له مستحيل ، فإذا علمناه كتابة حروف اسمه حرفاً حرفاً ، ثم علمناه الوصل بينهما لوجد أن ما كان مستحيلاً قبل ساعة صار الآن ممكناً وهكذا ...
ونحن في كثير من الأحيان نطوف في المجلس الواحد في أنحاء العالم الإسلامي متألمين لما يحدث للمسلمين ، وشاكين من التآمر عليه ، ثم ينفض المجلس على نحو ما انعقد عليه دون أن يستفيد مسلم من شيء مما قلناه ، وذلك لأننا لم نباشر الممكن ، وإنما أذهبنا أوقاتنا في الحديث عن أمور لا حول لنا ولا طول في التأثير فيها ! !
ولو أننا تحدثنا بما يصلح أمراً من أمور الحي أو في كيفية جعل فلان من الناس يرتاد المسجد لكان ذلك أنفع للمسلمين وأبرأ للذمة من شيء مشغولة به .

الوقفة الرابعة :
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- تركنا على المحجة البيضاء ، ووقع التكليف من الله تعالي باتباع ذلك المنهج والتزامه على قدر الوسع والطاقة ، وهذا التكليف سنة الله تعالى في الأنبياء -عليهم السلام- وسنة أممهم ؛ فقد مكث نوح -عليه السلام- يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين ، وكانت حصيلته في ذلك وصف الله تعالى : ] وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [ [هود 40] نعم إنهم قليل حملتهم سفينة واحدة ومع ذلك فإن نوحاً ظل رسولاً من أولي العزم الأبرار ، ذلك لأن المنزلة على مقدار الجهد الموافق للمنهج المنزل ، وليس على مقدار ما يحقق من نجاح وفلاح .
ولكن الذي يحدث في بعض الأحيان أننا نضع أهدافاً معينة نريد الوصول إليها عاجلاً ، ولو كانت هذه الأهداف تستدعي الضغط على المنهج أو القفز عليه أو الانحراف عنه ، وحين يحدث ذلك تفقد الدعوة انسجامها الذاتي كما تهتز الفلسفة النظرية التي تستند إليها ؛ وربما أدى ذلك إلى استعمال وسائل غير مشروعة .
ولا يعني هذا أن نعفي أنفسنا من عمليات المراجعة ، بل يعني أن المراجعة المطلوبة هي التأكد من موافقة أساليبنا ووسائلنا للمنهج الرباني الذي تعبدنا الله تعالى باتباعه والحركة على هديه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 14:23

أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}


سيظل للكلمة أثرها الفعال في تغيير أفكار الناس وأمزجتهم ومشاعرهم وواقعهم ، وذلك إذا استوفت شروطاً معينة . وليس أدل على رفعة مكانة الكلمة في حياة البشر من أن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام -كانوا يجيدون استخدامها في التعبير عن الحقائق الراسخة والربط بينها وبين واقع البشر ورصيد الفطرة المتبقي لديهم .
فهذا نوح -عليه السلام - يجادل قومه باستفاضة ، حتى ضج قومه من ذلك حين قالوا : { قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } [ هود : 32] ، وهذا إبراهيم - عليه السلام- يكرمه الله تعالى ، فيهبه من قوة الحجة ما يفحم قومه : ] وتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ [ الأنعام : 83] . وهذا موسى -عليه السلام- يقول : { واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } [طه : 27 ، 28] ، ثم يطلب من الله تعالى أن يتفضل عليه بإشراك هارون معه في التبليغ لفصاحة لسانه حين يقول : { وأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ } [ القصص : 34 ] . والله تعالى يقوم لخاتم أنبيائه : { وقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } [ النساء : 63 ] . وكل هذا قبس مما نسبه الباري -جل وعلا- لنفسه حين قال : ] قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [ [ الأنعام : 149] وحجج النبيين ومضامين خطابهم للخلق -في الأصول - واحدة أو تكاد ، مما يجعل جذور الكلمة الطيبة ضاربة في أعماق الزمن من لدن نوح -عليه السلام- إلى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وهذا يجعل حركة التاريخ كلها في سياقٍ عامٍ واحدٍ ، هو : التأكيد على أهمية الكلمة الطيبة في إنقاذ البشرية من الضلالة .

ونحن في كثير من الأحيان نستخف بقيمة الكلمة ، ومع أهمية العمل إلا أن لكل منهما مجاله الذي لا يصلح فيه غيره ، وفى تاريخنا الإسلامي أمثلة كثيرة جداً غيَّرت فيها الكلمة مسار شخص أو مدينة ، بل قارة ، فمما يذكرون في هذا الصدد أن وفداً من بعض بلاد أفريقية وفد حاجاً ، فالتقى بالإمام مالك بن أنس صاحب المذهب ؛ فأثنى مالك على والي ذلك البلد خيراً ، وتمنى لو رزقت المدينة مثله في عدله وصلاحه . فبلغ ذلك والي ذلك البلد الإفريقي ، فأمر بتدريس كتب مالك في بلده ، وأدى ذلك إلى انتشار المذهب المالكي في أرجاء أفريقية ! . وما أظن أن ما حدث كان يخطر للإمام على بال .
وقد تغني الكلمة الواحدة غناء جيش أو جيوش ، كما حدث في غزوة الأحزاب حين أسلم نعيم بن مسعود ، واستخدم عدم علم المشركين بذلك في تبديد الثقة بين قريش واليهود على ما هو مشهور . وقد أدركت الشركات والمؤسسات التجارية قيمة الكلمة في التأثير على المشتري ودفعه إلى شراء ما لا يحتاج له ، قال أحدهم :
لو كان لى عشرة دولارات لتاجرت بواحدٍ وصنعتُ دعاية بالتسعة الباقية .
وإذا أردت أن تشل فاعلية شخص ما ، فيكفى أن تقنعه : أن عمله غير ذي فائدة .
والآية التي نحن بصددها زاخرة بالمعاني والصور التي تجعل الكلمة في أرقى حال جمالاً وكمالاً ونفعاً . ولنقرأ الآية وما تلاها لنقتبس شيئاً من نورها ، قال الله -جل وعلا- : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا ويَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [إبراهيم : 24-25] ، لقد شبه الباري -عز اسمه - الكلمة الطيبة بشجرة طيبة ، وهذه الشجرة الطيبة تتصف بثلاث صفات أساسية : ثبات أصلها وعمق جذورها ، ثم ذهاب فروعها وأفنانها في السماء ، ثم نفعها الدائم للخلق باستمرار أكلها وثمارها . ولنفصل القول في تنزيل هذه الصفات على الكلمة الطيبة .
1 - ثبات الأصول :
حين نعرف أن أصول دعوات الأنبياء -عليهم السلام- واحدة ، تركزت في الدعوة إلى التوحيد الخالص وعبادة الله تعالى وإقامة الحق والعدل في الأرض وإعمارها بما يسمح بإقامة مجتمع التوحيد ؛ ندرك أي جذور ضاربة تمتلكها الكلمة الطيبة على اتساع أمداء الزمان والمكان ، وندرك أي رصيد من المنطق العام الذي بناه الأنبياء تستند إليه ، وأي رصيد ضخم من الفطرة يؤازرها في عملية البلاغ المبين .
وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : » أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد « . قال ابن حجر : ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد ، وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع -[ فتح الباري 489/6]
فالكلمة الطيبة إرث موروث متصل بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- . ولكن المشكلة أن التفريق بين الأصول والفروع قد لا يتهيأ لكل الناس مما يجعل الخلط بينهما وارداً ، وحينئذ فقد يجمد ما ينبغي أن يتطور ، وقد يتطور ما ينبغي أن يثبت .
واليوم نتيجة لعلميات الضغط الفكري التي تمارسها التيارات المادية ، نجد أن كثيراً من الكتاب والمفكرين الذين لهم صبغة إسلامية بدأوا يتزحزحون عن كثير من مواقعهم ، مصطحبين معهم أفكاراً أو أحكاماً عليها الإجماع ، أو السواد الأعظم من
علماء المسلمين ، بل بعض الأصول التي ليست موضع نزاع .
ويحضرني هنا ما كتبه أحد الذين لهم نفس إسلامي عن لقائه مع القسس الذين يعيشون في بعض بلدان العالم الإسلامي ، حيث أثنوا على كتاباته ، وسألوه عن الوضع الذي ينبغي أن يكونوا عليه وهم يعيشون بين المسلمين ؟ وقد أجابهم بقوله :
أول ما نطلبه من النصراني الذي يعيش بيننا أن يتمسك بنصرانيته… ! ! وهذا المطلب عجيب غريب ، وهو غني عن كل تعليق . فهل يصح لهذا و أضرابه أن يدعي أنه يكمل مهمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - في تبليغ الرسالة وهداية الخلق ؟ ! .
وقريب من هذا الفتاوى التي صفق لها كثيراً الذين في قلوبهم مرض ، من أمثال : إباحة الربا الذي تتعامل به البنوك اليوم ، ومن مثل : القول بعدم وجود حد للردة في الشريعة… . الخ . وإذا استمر هذا النهج على ما هو عليه اليوم فسنجد أنفسنا أمام دين يقبل كل إضافة كما يقبل أي حذف ، ويصبح قابلاً للتشكيل على ما يشتهي أهل الأهواء والشهوات ، لأنه صار شيئاً ليس بذي طعم ولا لون ولا رائحة… ولكن ذلك لن يكون -بإذن الله- ما نشط أهل الحق في توضيحه والذود عن حياضه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 14:25

2 - مرونة الأساليب وتنوعها :
على مقدار ما تكون جذور الكلمة الطيبة وأصولها راسخة ثابتة تكون أساليبها مرنة نامية منوعة ، وهذا في حد ذاته أحد مقتضيات ثبات الأصول ؛ فأحوال البشر وأفهامهم مختلفة ، ولذلك تعدد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وتنوعت شرائعهم ، وصدق الله العظيم إذ يقول : { ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [إبراهيم : 14] ، فالرسول يكلم الناس بلغتهم التي يتكلمون بها على أوسع ما تحمله هذه الكلمة من دلالات ، والهدف هو : أن يبين لهم ما يدعو إليه ، وقد أخذ الأسلوب القرآني من العرب كل مأخذٍ ، وتحداهم وطاولهم في التحدي ، وأقام عليهم الحجج الدامغة التي تناسب أوضاعهم الفكرية آنذاك . واللغة في أبسط تعاريفها هي :
مجموعة الإمكانات التعبيرية في بيئة من البيئات ، وهذه الإمكانات التعبيرية تتسع باتساع حضارة اللاغين بها ، واتساع غنى الخلفيات الثقافية لديهم ، وهذه الإمكانات دائمة التغيير والتشكل تمر بعين الأطوار التي يمر بها الكائن الحى من الولادة إلى الموت وما بينهما من مراحل . ولغتنا الفصحى تنمو ضمن أطر صارمة ، فالفاعل لن ينمو ليصبح مجروراً ، والمضاف إليه لن ينمو ليكون مرفوعاً ، ولكن بين تلك الأطر مساحات واسعة شاسعة تتحرك فيها اللغة على مستوى التراكيب والدلالات والأصوات ، وتلك الحركة تساير وتناغم شلالات الثقافة في الأمة في تنوعها ودرجة عنفها .
لغة العصر :
من سمات حركة التاريخ أن دور العبادة تظل كهوفاً لنوعٍ أو لأنواعٍ من العلم مهما ساءت أحوال الأمة الثقافية ، وعلى امتداد تاريخنا الإسلامي كان علماء الشرع يشكلون السواد الأعظم من الكتاب والباحثين والمفكرين ، مما جعل اللغة التي يتكلم بها الصفوة من الناس هي عين اللغة التي يتحدث بها الدعاة ، لأنهم هم الذين شكلوها ، وعلى ألسنتهم تطورت ونمت ... ولكن الزمان قد اختلف ، حيث إن اللغة التي يتكلم بها النخبة اليوم تكونت من جهد ثقافي متنوع ، فأجهزة الإعلام والجرائد والمجلات والقصص والروايات والكتب التي صنفها باحثون تنوعت ثقافاتهم مضامين وأساليب ، وبفعل وسائل الاتصالات الحديثة صار العالم بمثابة قرية صغيرة تكثفت فيها الآراء والاتجاهات والثقافات ...
وكان في هذا تحدٍ عظيم لكل من يريد مخاطبة الناس والتأثير فيهم ، إذ أن الخلفية الثقافية للمخاطبين صارت أكثر تعقيداً بسبب ثراء الساحة الثقافية وتنوعها ، مما أسفر عن وجود حواجز كثيرة ، على الكلمة أن تتجاوزها قبل الاستقرار في الذهن أو العاطفة ، كما صار التزام الدقة في أداء الكلمة شرطا أساسيا للحيلولة دون أن يساء فهمها ، كما صار اختيار العبارات المناسبة للحقيقة التي يُراد إيصالها للمخاطب أمراً ضرورياً جداً .
فإذا كانت الحقيقة التي نريد توصيلها أدبية أو حضارية فإن العبارة القادرة على اختراق الحجب هي التي تحمل في تركيبها قابلية تعدد المعاني عند مختلف الدارسين ، بحيث يكون لكل منهم فيها خطة من التفسير و التأويل ، بشرط أن يكون ذلك ضمن طاقة التركيب اللغوي الذي بين يديه . أما الحقيقة العلمية الكونية أو العقدية أو الفقهية : فينبغي أن تصاغ بعبارة غاية في الدقة لا تدع مجالاً إلا لمعنى واحد ، كما أن في تلك المعنى لا يجد دقة صياغته إلا في تلك العبارة .
فإذا لم يراع المتحدث أو الكاتب هذا أحدثت عباراته للناس فتناً ، وأوقعته في الريبة مع سلامة قصده ، وفتحت عليه من نوافذ النقد ما لا قبل له به .
من خصائص لغة العصر :
يتمخض عن تلاطم الأفكار والثقافات المختلفة قناعات ومفاهيم عند السواد الأعظم من الناس ، وهذه المفاهيم قد تكون صحيحة ، وقد لا تكون لأنها لا ترتكز في أكثر الأمر على حقائق موضوعية بقدر ما تنبع من قوة الفعاليات على الساحات الثقافية والفكرية ، وهذه القناعات تشكل مفردات التركيب الذهني لدى الناس ، مما يجعل امتصاصهم للمعلومات التي يطلعون عليها ذا سمات خاصة تنسجم مع ذلك التركيب . وحينئذ فإن الداعية مطالب بمعرفة تلك القناعات والمفاهيم ، كما أنه مطالب بتحسس التركيب الذهني السائد في عصره حتى يخاطب الناس بلسانهم ، ومن هذه الخصائص :
أ- اعتماد الإحصاء بدلاً عن الفلسفة :
كانت الفلسفة تسمى ملكة العلوم ، وذلك بسبب تأثير منهج أرسطو في منحنيات الفكر البشري ومساراته ، وقد كان الناس إلى عهد قريب يسمون من أوتي فيهم مقدرة خاصة على التعبير بـ (الفيلسوف) ، بل إن بلداً مثل بريطانيا مازال يستخدم كلمة (فلسفة) في شهادات التخصصات العليا لديه . وقد تأثر الفكر الإسلامي قديماً بالمنطق الأرسطاليسي ، وتسربت مقولاته وأقيسته إلى كثير من كتب الأصول والفقه والعربية ، بل والعقيدة . ذلك الفكر الذي لا يقيم للتجربة أدنى وزن ، ومن الطرائف المتناقلة في هذا : أن أرسطو كان يزعم أن أسنان الرجل أكثر من أسنان المرأة ! ولو أن زوجته فتحت فمها وعدَّ أسنانها لعرف أن زعمه حديث خرافة ..
وقد أدركت أوربة في أوائل عصر نهضتها ألا نهضة ولا تقدم قبل نبذ الفكر الأرسطي القياسي ، ثم الاتجاه إلى التجريب لتتويجه ملكاً على العلوم المادية ، ومن ذلك اليوم بدأت قناعات الناس تنحو منحى لغة الرقم لاستفتائها والبناء عليها ، وهذه نقطة إيجابية إذا أحسنا التعامل معها ، ولكن كثيرين منَّا مازالوا غير واعين لهذه الحقيقة ، مما يجعلهم يستمرون في سوق الحجج العقلية مع توفر أرقام واقعية تدعم قوله ، وتؤيده ، فعلى سبيل المثال : فإن تقديم نماذج واقعية ذات أرقام محددة على ما يكن أن ينتج من الأمن والرخاء نتيجة تطبيق الحدود والنظام الاقتصادي الإسلامي - أجدى وأنجع بكثير من سرد مجلدات من العلل والحجج العقلية التي تشرح فوائد الالتزام بالإسلام ، أو تلك التي توضح سلبيات الربا وتطبيق القوانين الوضعية .
ومن المفيد هنا أن نقول : إن أرسطو أنشأ فن الجدل ليسد الثغرات التي يتركها الاستقراء الناقص للأحداث والأفكار ؛ كما أنشئت فلسفة التاريخ فيما بعد لتسد النقص في التفاصيل التاريخية ، أما اليوم فقد أضحى الإحصاء إحدى أهم سمات عصرنا البارزة ، مما يسهل استخدامه حتى نخفف من الجدل والمماحكات اللفظية العقيمة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 14:27

ب- رفض التعميم :
لقد تعقدت الحياة وكثرت التفاصيل فيها إلى درجة جعلت تعميم الأحكام في أكثر الأحيان أمراً بعيداً عن الحقيقة ؛ وصار التعميم في لغتنا في إحدى أهم الثغرات التي ينفذ منها لهدم ما نقوله وتمييع القضايا التي نعرضها .
على أن التعميم مرفوض في المنهج الإسلامي بصورة عامة ، ومن ثم كثرت الآيات في الكتاب العزيز التي ترد فيها كلمة (أكثر) ، وكلمة (كثير) بمعنى أكثر ، كما أن في السنة ما ينسجم مع هذا من مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أعظم الناس فرية لرجلٌ هاجى رجلاً فهجا القبيلة بأسرها ) [1] .
والمحدثون الذين يتسم عملهم بالدقة والإتقان كانت لهم تفريقات رائعة في أبواب نقد الرجال والحكم على الأحاديث من مثل قول مالك - رحمه الله - : » إن من شيوخي من أتبرك بدعائه ، ولكن لا أقبل روايته « ، ومن مثل قولهم : فلان صدوق إلا أنه غير ضابط ..
فالتعبير بـ ( الاتجاه العام ، أو الانطباع العام ، أو الأقرب أو الأكثر ) هو الأدنى من الحق والأكثر انسجاماً مع لغة العصر .

ج - النفور من الوعظ المباشر :
عكر النسيج الثقافي القائم اليوم الرؤية عند كثير من الناس ، كما أفسد الكثير من الفطر السليمة ، كما أدى نمو الخصائص ا الفردية في صورة مرضية في بعض الأحيان ، كما أدى إلى تضخيم الخصوصيات لتنسحب على كثير من شؤون الحياة العامة التي هي أقرب إلى العموميات ، وقد أدى ذلك كلته إلى تكوين مزاج لا يرتاح للوعظ المباشر ، وصار ينظر إليه في بعض الأحيان على أنه خروج عن اللباقة والآداب الاجتماعية المرعية ، أضف إلى هذا أن انخفاض نوعية الدعاة -كما هو شأن أكثر الأمة- في جانب الالتزام يجعل قبول الناس للموعظة أمراً غير سهل .
ومن ثم فلابد من الاعتماد على الإيحاء والتلميح وضرب الأمثال وغيرها أسلوباً للخطاب وزكانة الداعية تفتح له في كل يوم آفاقاً جديدة في هذا .

د - الاختصار :
الناس اليوم في عجلة من أمرهم ؛ حيث إن المستوى المادي الذي يطمحون إليه جعل الوقت يضيق عن الشروح الطويلة وتكرار البديهيات واستخدام المترادفات ، مما يقتضي الإيجاز - غير المخل - في إيصال الأفكار والمعلومات إليهم ، وصار الإطناب من فضول القول .

هـ - الضيق بالمبالغات :
مرت على أمتنا بعض الفترات التاريخية التي سادت فيها المحسنات البديعية ، وصار إطلاق الألقاب الفخمة يجري دون أي اعتبار أو تحاكم إلى الواقع ، ويقف المرء على هذا في مقدمات بعض الكتب ، وما يطرز به أسماء مؤلفيها من الصفات التي تبتعد عن الحقيقة قليلاً أو كثيراً ؛ لأنها لا تستند إلى قاعدة من المعلومات الصحيحة كما في قولهم :
البحر العلم المجدد جمال الدين فريد عصره ووحيد دهره الذي لم تقع العين على مثله ... وتطلق هذه الأوصاف على عشرات من العلماء الذين يعيشون في عصر واحد أو في بلد واحد في بعض الأحيان . وكانت هذه الإطلاقات مجافية لما عرف عن سلف هذه الأمة ، بل لما عرف عن منهجه - صلى الله عليه وسلم - حيث أثنى على كثير من أصحابه ، ووصفهم بصفات محددة ، فواحد أعلمهم بالقراءة ، وآخر بالقضاء ، وثالث بالصدق ، وهكذا ..
ولم تقتصر المبالغة على إطلاق الألقاب ، بل تجاوزت ذلك إلى أن أصبحت جزءا من الاعتبارات الذهنية والعلمية عند كثير من الناس ، وقد عاد الأمر إلى نصابه في لغة العصر ، وصارت المبالغة مملولة ممجوجة .

و - التجديد :
كان من خلق بني إسرائيل أنهم لا يصبرون على طعام واحد ، وقد انسحب هذا الخلق اليوم على كثير من جوانب الحياة في المسكن وترتيب أثاثه ، والملابس وأشكال تفصيلها ، والمراكب وأنواعها ، وشأنهم في القضايا المعنوية نحواً من ذلك ، فهم تواقون إلى الجديد من المعاني والأفكار والأساليب ، وصاروا يشعرون بجمود من لا يواكبهم في ذلك وقصوره ، وليس في التجديد ما يذم إذا تم مع المحافظة على الأصول والثوابت ، بل قد لا تتم المحافظة على الأصول إلا من خلال التجديد في الوسائل والأساليب ، حيث تعرض بأشكال تنسجم مع روح العصر .

ز- المعالجة العملية :
تقدم العلوم على الصعد العملية شكل حس الناس ومنطقهم العام ، في الميل إلى الواقعية والارتياح في الصيغ العملية ، ونظام الخطوات المتتابعة ، التي تسلم كل واحدة منها إلى الأخرى في الوصول إلى هدف أو حل مشكلة ، وصارت الحاجة ملحة إلى (كيف) ، ولم يعد طرح المبادئ كافياً وحده ، فما عاد كافياً الترديد لنحو :
لابد من رفع المستوى الخلقي لدى الفرد ، أو لابد لنشر الدعوة بين الناس ، بل أنت مطالب بأكثر من هذا ، مطالب ببيان الإمكانات المتاحة ، ثم بيان المنهج والخطط والأدوات التي يمكن استخدامها في الاستفادة من تلك الإمكانات ؛ وذلك لأن تعقد الأشياء وتشابكها يحتاج إلى نوع مكافئ من تعقد الفاعلية على مستوى الخطط والأساليب والأدوات .

ح -عدم قبول تفسير الظواهر الإنسانية بعامل واحد :
الإنسان ذو أبعاد فسيحة وأغوار عميقة ، وكل الظواهر التي تتصل به على درجة عالية من التعقيد في الأفكار والمبادئ والمواقف والعادات ، وفي الاجتماع والاقتصاد ... كل أولئك يتشكل ويتبلور نتيجة نسيج معقد من العوامل .
وإذا كان هذا هو الواقع فإن تفسير أية ظاهرة إنسانية وتعليلها بعلة مفردة غير صحيح ولا دقيق ؟ فلا يمكن أن يقال مثلاً إن الشعب الأفغاني صمد في وجه المحتلين بسبب إيمانه أو بسبب صعوبة تضاريس أرضه من جبال وكهوف ، أو بسبب رصيد الفطرة لديه ، أو بسبب العون الخارجي ..
إنه لم ينفرد سبب واحد من هذه الأسباب بولادة ظاهرة الصمود ، بل إنها جميعاً مع أسباب أخرى أسهمت في إيجاد وضع متميز يستمد تميزه من خصوصية شروطه وأسبابه . وهكذا ...

كيف نمتلك لغة العصر ؟
في العالم اليوم ما يسمى بثورة المعلومات مما يفرض على المثقف المسلم أن يرسم لنفسه خطة تثقيفية خاصة تناسب رغباته واختصاصه العلمي ، والمهمة التي ندب نفسه لها . والمشكلة الكبرى في عزوف كثير من الناس عن القراءة فأمة (اقرأ) ما عادت تقرأ مما خلق نوعاً من الخلخلة الثقافية في ساحتنا الفكرية ، وجعل كثيراً من أهل الخير عاجزين عن فهم لغة العصر ، وإذا عزم المرء على القراءة فلابد له من القراءة الواسعة في شتى أنواع المطبوعات ، وعليه أن يقرأ لكل المدارس حتى لا يقع فريسة للانغلاق الفكري أو ضحية للأفكار الفقيرة التي تظهر في أساليب شتى .
ولابد لمن يريد أن يسير في طريق الانفتاح الثقافي من ثقافة شرعية أساسية يتمكن بها من تحديد الثوابت التي أكبر فضائلها دوامها واستقرارها ، حتى لا ينجرف مع نتاج المدارس والتيارات التي يقرأ لها .
كما لابد له من محاولة امتلاك منهج في التفكير يستند إلى وعي صحيح بأحداث الماضي ، ووعي جيد لظروف الحاضر ، حتى يتمكن من امتلاك رؤية واضحة لكيفية عمل سنن الله في الأنفس والآفاق . إن الذي يملك شذرات من المعلومات كمن يملك قطعاً من الذهب ، أما الذي يملك منهجاً ذا نماذج خاصة ، فإنه يمتلك مفتاح منجم من الذهب ، فإذا حصل على هذا وذاك فإن الانفتاح في الاطلاع يكون خيراً كله ، وحينئذ يتجاوز الداعية مرحلة السيطرة على اللغة ليصبح من موجديها ومؤهليها ، ولكن لابد قبل الانهماك في القراءة من اختيار ما نقرأ ، فلنقرأ للعباقرة ، ولأولئك الذين يقدرون مسؤولية الكلمة ، والذين لا يدفعون بكتابهم إلى المطبعة إلا بعد الاعتقاد بأنه يشكل إضافة جديدة للفكر الإنساني .

3 - دوام نفعها :
إن الشجرة الطيبة التي ضربها الله تعالى مثلاً للكلمة الطيبة دائمة الثمار ، وديمومة عطائها نابعة من تناسق الصفتين السابقتين : ثبات الجذور ، وبسوق فروعها في جو السماء ، والكلمة التي لا جذور لها لا تستطيع أن تصنع شيئاً .
والأفكار التي تبثها قصيرة العمر كزهور الربيع ؛ والكلمة التي لا تنسجم مع لغة العصر لا تستطيع ملامسة أعماق الإنسان الذي تقرع سمعه ، والذي وصفناه بأنه بالغ التعقيد . وقد ملكتنا هذه الآيات الكريمة المقياس الذي نتعرف به على الكلمة الطيبة ، وهذا المقياس هو : ] تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ [ ، فنحن إذا أردنا من هذا المنظور أن نقيس أداء خطب الجمعة في عالمنا الإسلامي وآثارها في ترقية فهم الناس للإسلام والتزامهم به وجدنا أن أطناناً من الورق تكتب أسبوعياً دون أن تؤتي الثمار التي تتناسب مع حجم ذلك الجهد المبذول ، ونعني به خطأ الأسلوب .
إن مهمة المسلم أن يعيش عصره ويكون مؤثراً لا متأثراً ، وأن يكون له دور في صياغة لغة العصر .

________________________
(1) أخرجه ابن ماجه والبيهقي قال الهيثمي : رجاله ثقات وإسناده صحيح .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 14:29

{ فاعتبروا يا أولي الأبصار }






هذه آية جليلة الشأن في الكتاب العزيز سرت مسرى المثل ، وذاعت على الألسنة والأقلام ؛ لأنها تعني وجوب الاستفادة من تراكم الخبرات البشرية ، وأخذ العظة والعبرة من أحوال الأمم السابقة ، والمعاصرة ، وتوفيراً للجهد ، واختصاراً للطريق ، وفراراً من عذاب الله تعالى ...
وقد قص الله تعالى علينا في سورة الحشر قصة جلاء بني النضير من المدينة إلى خيبر والشام مبيناً وقوع ما ليس في الحسبان ، فقال تباركت أسماؤه : { هُوَ الَذِي أَخْرَجَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ } [الحشر : 2] .
لقد كان خروج بني النضير في تلك الصورة المهينة الذليلة حدثاً بعيداً عن أذهان بني النضير وأذهان المسلمين لأن الأسباب المادية التي أخذ بها القوم كانت على درجة من الإتقان والإحكام تحول دون تصور ما وقع ..
ولكن العزيز الجبار الذي لا رادَّ لأمره ، ولا معقب لحكمه أتاهم من حيث لم يحتسبوا أتاهم من الداخل ، فألقى في قلوبهم الرعب ، فخارت عزائمهم ، وأدركوا أن قوتهم ما عادت تغني عنهم شيئاً .
وما أشبه الليلة بالبارحة ‍‍‍ ! !
فهذه هي النظرية الشيوعية تنهار اليوم في أسرع مما كان يدور في خلد البشر ، وهذه هي مئات الألوف من الكتب والمجلدات التي سطرت في فلسفة النظرية وترويجها وتكييف البشر معها تغدو رماداً تسفوه رياح التغيير العاتية في وجوه السدنة والكهنة والمرتزقة والأذناب وأشباه الأذناب ..
لقد كان سقوط النظرية الشيوعية أمراً لا مفر منه ، ولكن المذهل هو انهيار البناء الذي أنفق فيه ثلاثة أرباع القرن من الزمن مع ملايين الأنفس وما لا يحصى من الآلام والعذابات وصنوف المعاناة الإنسانية في أسرع من لمح البصر .
قد كانت أفكار (كارل ماركس) رد فعل لحرمان طويل ومعاناة شخصية قاسية . والناموس العام لردود الأفعال البعد عن الموضوعية وفقدان الاتزان . وقد قبل أفكار (كارل ماركس) في البداية صنفان من البشر :
صنف طحنه الظلم والحرمان ، وتقلب دهراً في التعاسة ، وطرق كل باب للخروج من نفق الظلمات الذي ولد فيه فإذا بنظرية تعده بجنة على الأرض تنسيه طعم كل ما مضى من العناء والبلاء ، فهبَّ إلى اعتناقها والترويج لها على أنها الحل الأخير والمخرج الوحيد .
والصنف الآخر - وهم الكثرة من الأشياع - وجد في السلطات المطلقة التي تركزها النظرية في قبضة الحزب الشيوعي والدولة الماركسية ما يلبي من خلاله كل طموحاته الشخصية من الجاه والمال والتسلط ، وما يتفرع عن ذلك من شهوات
وملذات ومصالح ..
ولم يمض وقت طويل حتى أدرك الذين كانوا يحلمون بالفردوس أن الخبر غير الخبر وأن المحصول غير المأمول ..
ولكن إدراك الشعوب كثيراً ما يأتي متأخراً بعد فوات الأوان ..
فقد ركزت الحكومات البلشفية المتعاقبة على صناعة السلاح دون باقي الصناعات حتى تتمكن من كسر شوكة أي معارضة محتملة للثورة على حين أنها لم توفر لشعوبها أحذية جيدة تنتعلها ..
وجمعت إلى ذلك تجنيد عشرات الألوف من المخبرين السريين الذين يحصون أنفاس الشعوب ويعدون نبضات قلوبهم .
ولجأت الشعوب إلى سلاحها الماضي وحيلتها الأخيرة ، فشرعت في المقاومة السلبية ، وأدارت ظهرها لخطط التنمية المتعاقبة التي كانت تضعها الحكومات الشيوعية . ومن البدهي أن الحكومة تخطط وأن الشعب ينفذ فإذا لم ينفذ الشعب كانت الخطط حبراً على ورق أو صرخة في واد ، وهذا ما جرى لقد كان كل عام يمر يعنى مزيداً من الفروق المعيشية والحضارية بين أتباع الشيوعية وأتباع الرأسمالية ، وحين انهار جدار (برلين) أدرك الألمان الشرقيون - الذين كانوا يُدلُّون بأنفسهم على أشياعهم من أبناء أوربا الشرقية- الفجوة الضخمة التي تفصلهم عق الألمان الغربيين ، فالدخل عند الغربيين عشرة أضعاف الدخل عند الشرقيين ، والهواتف عشرة أضعاف وأعداد السيارات مضاعفة وهكذا على هذه اللازمة ..
وفى اعتقادي أن الأحزاب الشيوعية انهارت بهذه الصورة ؛ لأنها عجزت عن بناء حضارة مناسبة للعصر تغني شعوبها عن تكفف الآخرين وتوجد الثقة بالأسس النظرية التي قامت عليها ، وأسباب أخرى من هذا القبيل لا نقصد هنا إلى تعدادها .

هل من معتبر ؟

كانت الأحزاب الشيوعية والحكومات التابعة لها بحاجة إلى نوعين من المراجعة :
الأول : مراجعة أصول النظرية وقواعدها الأساسية والتي أثبتت السنين أنها خيالية ومتناقضة .
الثاني : قياس آراء النظرية من خلال الواقع الذي أفرزته التجربة الطويلة ، لمعرفة مكامن الخلل ومواضع الداء في النظرية والتطبيق . ومع أن (برجنيف) كان يقول : إذا لم نستطع كشف الأخطاء قتلتنا ، فإن سدنة الأحزاب الشيوعية بدءاً بقائل هذه الحكمة لم يستطيعوا الكشف عن أي خطأ ذي شأن فضلاً عن القدرة على الإصلاح . وكان الشغل الشاغل هو التبرير والدفاع والثناء بالجملة على الوضع القائم .

وفى عالمنا الإسلامي اليوم الكثير الكثير من الأخطاء وأصناف القصور على المستويات كافة . ووجود الأخطاء أمر طبيعي ؛ ذلك لأن حركة الزمن تدع الكثير من الجديد بالياً ، وتوجب استمرار الاجتهاد والتكييف بين المبدأ والمصلحة ، وبين الوسائل والغايات ، وبين الأساليب والأهداف . وخلال عمليات التكييف هذه تحصل مفارقات تحسب للأمة تارة وعليها تارة أخر ى .
والأمة الحية اليقظة لا تكف أبداً عن عمليات المراجعة وقياس أداء المناهج والأساليب والأصول ، كما لا تمل من بحث المعوقات وطرح الحلول لها .
وإذا كان الآخرون يحتاجون إلى نوعين من المراجعة فإننا بحمد الله نسير في طريق لاحبة رسمها الأصفياء الأولون من رسل الله وأوليائه ، ومن ثم فإننا بحاجة إلى نوع واحد منها ، وهو التأكد من موافقة خطانا لروح الشريعة الغراء ونصوصها ومدى توفر الشروط النفسية والاجتماعية التي يجب توفرها في حياة خير أمة أخرجت للناس .

وتتشخص هذه المراجعة في المفردات التالية :
1 - امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء وأنواع التقصير في مسيرتنا الحياتية .
2 - التفريق الدقيق بين الأمراض وأعراضها حتى لا نعالج مظاهر المرض وأعراضه ونترك حقيقته ، فيكون العلاج مؤقتاً .
3- البحث في البنى التحتية لتلك الأخطاء للوقوف على عللها الأولى وأسبابها الحقيقية اهتداء بقوله تعالى : { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ } [العنكبوت : 20]
4- التغيير في برامجنا وأساليبنا بما يتناسب مع نتائج تلك المراجعات .
5- وضع صمام الأمان الذي يحول دون تكرار الوقوع في تلك الأخطاء .
6- غرس روح تحمل المسؤولية في أفراد الأمة والتربية على الشجاعة الأدبية الباعثة على محاصرة الخطأ والنقد البناء ، وتنمية روح المبادرة الفردية لديهم .
وإذا فعلنا هذا فإنا نكون قد ضمنّا استمرار الثقة بأصولنا الاعتقادية والفكرية ، وأوينا إلى ركن شديد يعصمنا من الأعاصير العاتية والانهيارات المدمرة .
وليس هذا على وارثة تراث الأنبياء والمكلفة بتبليغ الكلمة الأخيرة بعزيز .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حسان كالو
المراقب العام
المراقب العام


مشرف مميز مشرف مميز
عدد المساهمات : 898
نقاط : 972990
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 16/04/2009
الموقع : talhasel

مُساهمةموضوع: رد: التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)   الأربعاء 01 يوليو 2009, 14:32

{ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ }






يشكل انهيار العلاقات الاجتماعية إحدى أهم المشكلات التي تعانى منها المجتمعات الحديثة حيث نما الشعور بالفردية والتوحد ، وحُكمت المصالح الخاصة في كثير من شئون الحياة ، وقد أصاب أمة الإسلام شيء من ذلك ، فاضمحلت ضوابط التربية الاجتماعية التي تشكل الحس الجماعي لدى الفرد المسلم مما أشاع الفوضى الفكرية والاجتماعية ، وضخم مشاكل المسلمين الاقتصادية لأن عمليات التنمية لا تتم على ما ينبغي في مجتمع واهي الروابط مختلف الأفكار والمفاهيم .
ومن هنا شددت تعاليم الإسلام على ضرورة المحافظة على العلاقات الاجتماعية وإقامتها باستمرار على هدي الرسالة الخاتمة التي تعد استمراراً لدعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
وتحقيقاً لذلك التواصل قصَّ الله تعالى علينا أخبار الأمم السابقة والعواقب الوخيمة التي انتهوا إليها حين شاعت فيهم الانحرافات والمخالفات دون أن يرفع أحد منهم رأساً أو يقول كلمة لأولئك الذين يستعجلون أيام الله لأنفسهم ولأممهم فقال تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة : 78-79] .
فقد أجرم القوم مرتين : مرة حين وقعوا في الآثام ، وأخرى حين تركوا المعاصي تشيع فيهم دون أن تسود فيهم روح التناهي عنها .
وقد جاء في الحديث ما يفسر تدرجهم نحو الحال التي استوجبت لهم اللعن ، فقد روى ابن مسعود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : » إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. } « [1]
لقد طال العهد بصالحي بني إسرائيل فبدأت المناكر تزحف إلى حياتهم عن طريق أهل الأهواء والشهوات ، وكان فيهم صالحون فقاموا ونهوا أصحاب المعاصي ووعظوهم ولكن هؤلاء تأصل فيهم المنكر وصار النزوع عنه أمراً عسيراً ، وكان الأمر يتطلب من صالحيهم جلداً وصبراً ومفاصلة إلا أن درجة التوتر الحيوي عند أولئك الصالحين لم تكن كافية بحيث يشعرون بالتميز ويشكلون تياراً نشطاً يحاصر أولئك العصاة ويشعرهم بالشذوذ والإثم ...
وكانت المرحلة التالية سيطرة شعور العجز والضعف على أولئك الصالحين مما جعلهم يخالطون أهل المعاصي ويرضون عن أعمالهم أو يظهر للناظر أنهم كذلك فضاعت معالم الحق وجاءت أجيال تالية فنشأت في الانحراف وشبت فيه وصار التفريق بين المعروف والمنكر أمراً غير متيسر لكل الناس .
وكانت العاقبة أن ضرب الله قلوبهم بعضهاً ببعض ، وهذه العبارة في الحديث النبوي ترمز إلى حالة من الفوضى المصحوبة بالعذاب حيث فقدت تجمعاتهم الشروط الضرورية لبقائهم واستمرارهم المادي والمعنوي فكانت أيام الله في خاتمة المطاف جزاء ما فعلوا .
إن كل مجتمع مهما بلغ من الفضل والرقي لا يستغنى عن شريحة فيه تتمثل فيها المثل العليا لذلك المجتمع تحفظ عليه وجوده المعنوي المتمثل في عقيدته وأخلاقه وضوابط علاقاته وهؤلاء يمثلون الخيرية في ذلك المجتمع كما قال عليه الصلاة والسلام : » ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ... « [رواه مسلم ] .
إن هؤلاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر يملكون من التوهج في أرواحهم والحيوية في نفوسهم ما يجعل همَّ مجتمعهم همهم الأكبر ، فيسعد بهم ذلك المجتمع إذ يحفظون عليه توازنه واستقامته وشروط استمراره ، وكما لا يشترط لصحة المجتمع جسمياً وبيئياً أن يكون كل أفراده من الأطباء كذلك لا يشترط في المجتمع المسلم أن يكون كل أفراده من الدعاة الناصحين ولكن ينبغي أن تتوفر نسبة كافية في المجتمع مسموعة الصوت واضحة التأثير تملأ الفراغ الثقافي وتملك من الوسائل المؤثرة ما يسمح باستمرار وضوح جادة الحق والخير والصواب ويسمح باستمرار سنة المدافعة بين الحق والباطل على وجه مكافىء وهذا ما يشير إليه قوله عز اسمه : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ } [آل عمران : 104] .
وقد جرت سنة الله في الابتلاء أن تلقى هذه الفئة الطيبة الخيرة المُحَارَبة دائماً وتلقى الأذية والعنت وما ذلك إلا لأنها تسير في الاتجاه المضاد لأهل الشهوات والأهواء الذين يمكن أن نسميهم بـ ( المختزلة ) حيث يكثفون هموم البشرية كلها في هم واحد هو همهم ، ويتجاوزون رغبات الخلق ومصالحهم مهما عظمت إلى رغباتهم ومصالحهم هم ، وعلى كل حال فإن الذي يظن أنه باستطاعته أن يسير في دروب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقوماً للمعوج ومحارباً للأهواء والشهوات وناصراً للمظلوم ثم لا يلحقه شيء مما لحق بهم فهو واهم في ذلك وإلى هذا أشار لقمان وهو يعظ ابنه حين قال : { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [لقمان : 17] فقد أشعر ابنه بما يلحقه من الأذية إذا هو قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ولكن نظراً للأخطار التي تهدد الأمة بخلوِّها من هذه الشريحة المباركة التي تعد قلبها النابض وبصيرتها النافذة فإن الله تعالى قرن محاربة هذه الفئة بالكفر به وقتل رسله حيث قال جلَّ وعلا : ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ [ [آل عمران : 21-22] .
واليوم والأمة تسعى جاهدة إلى الخروج من نفق الظلمات نافضة عنها غبار الضعف والفرقة والتبعية والتخلف ؛ تكثر المشاريع الحضارية المطروحة في البلاد الإسلامية من قبل أهل العلم والفكر ، كما يكثر الضرب في الأرض لدراسة التجارب الحضارية الحديثة والمعاصرة للأمم الأخرى ، والنتيجة الملموسة إلى هذه الساعة من وراء كل ذلك سلبية والسبب في ذلك - والله أعلم - أننا نأتي البيوت من غير أبوابها ذلك لأن التخلف المادي الذي يعاني منه المسلمون ليس هو المرض ولكنه من أعراض المرض ، والمعالجة الصحيحة تكون بتفحص المرض وأسبابه وجذوره فإذا عالجنا المرض ذهبت كل أعراضه ، أما المرض فهو كامن في الخلل الذي أصاب رؤية المسلمين للدنيا والآخرة ، والخلل الذي أصاب أخلاقهم ومقاصدهم وعلاقاتهم ببعضهم بعضاً ، مما ترتب عليه مفاسد جمة قعدت بالسواد الأعجم من المسلمين عن أن يكونوا لَبِنَاتٍ صالحة في أي بناء حضاري فذٍ متميزٍ ، وغاب عنا روح الفريق حين التفت كلٌّ إلى مصلحته الخاصة ضارباً عرض الحائط بكل شيء وراءها . ولابد من وقفة متأنية عند هذه النقطة نظراً لخطورتها وكثرة المشكلات الناشئة عنها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التوقف عند بعض الأيات(عبد الكريم بكار)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تلعرن و تلحاصل الثقافية.....احدى أعضاء شبكة كونديما الثقافية  :: المنتدى الإسلامي :: الاعجاز العلمي في القرآن والسنة-
انتقل الى: